موقف بكين الهادئ من إيران.. ورقة سياسية جديدة في أوروبا
١ أبريل ٢٠٢٦

الافتراض السائد هو أن القوة العظمى تثبت قوتها باتخاذ الموقف الأعلى صوتاً في أي أزمة. لكن الصين اختارت مساراً معاكساً تقريباً في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. فقد أدانت بكين عدم الاستقرار، ودعت إلى خفض التصعيد، وتجنبت إلى حد كبير التورط العسكري أو الدبلوماسي المباشر الذي قد يربطها بالقتال. لكن ضبط النفس هذا ليس سلبية، بل هو سياسة، وليست مجرد سياسة خارجية. فالصين تحول الصراع إلى حجة أوسع تستهدف البرلمانات والحكومات وقادة الأحزاب في جميع أنحاء أوروبا ودول الجنوب، ومفادها أن الولايات المتحدة تجلب المخاطر، بينما توفر الصين علاقات اقتصادية أكثر استقراراً.
تأتي هذه الرسالة في لحظة سياسية متوترة. ففي العديد من الديمقراطيات الأوروبية، تواجه الحكومات بالفعل ضغوطاً بسبب التضخم، وأمن الطاقة، والإنفاق الدفاعي، وتراجع الصناعة. كما اهتزت ثقة الناس بالمؤسسات بعد سنوات من الأزمات، من الجائحة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا. والآن، تثير صدمة جديدة في الشرق الأوسط مخاوف متجددة بشأن أسعار النفط وطرق الشحن وضغوط الهجرة. في هذا المناخ، لا يحتاج مسؤولو بكين لإقناع شعوب بأكملها بالتخلي عن واشنطن، بل يكفيهم أن يمنحوا الأحزاب السياسية والشركات والوزراء المتشككين سبباً أقوى للدعوة إلى موقف أكثر توازناً تجاه الصين.
تساعد الخلفية الاقتصادية في تفسير سبب نجاح هذه الاستراتيجية. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين حوالي 739 مليار يورو في عام 2023، وفقاً ليوروستات، وذلك حتى بعد سنوات من التوتر السياسي وجهود تقليل الاعتماد الاستراتيجي. ولا تزال الصين مورداً رئيسياً للصناعة والأسواق الاستهلاكية وسلاسل توريد التكنولوجيا النظيفة في أوروبا. كما لا يزال قطاع السيارات الألماني يعتمد بشكل كبير على السوق الصينية. وما زالت الموانئ والمراكز اللوجستية في جنوب أوروبا تشعر بآثار الاستثمارات الصينية طويلة الأمد. وفي جميع أنحاء إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من آسيا، تظل القروض الصينية ومشاريع البنية التحتية جزءاً أساسياً من خطط التنمية الوطنية، رغم المخاوف بشأن الديون والنفوذ السياسي.
في الوقت نفسه، أصبح الدور الأمني للولايات المتحدة مكلفاً سياسياً في نظر بعض الحكومات الأجنبية. وهذه التكاليف ليست عسكرية فقط، بل تشمل ارتفاع تكاليف تأمين الشحن، وتهديدات لإمدادات الطاقة، والضغط على الحلفاء للالتزام بعقوبات أو مواقف أمنية قد تضر باقتصاداتهم. فبعد اضطرابات البحر الأحمر، قفزت أسعار الشحن العالمية بشكل حاد، ودفع المستوردون الأوروبيون الثمن. وإذا أدت حرب إقليمية أوسع إلى ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة، فستشعر بها الأسر والصناعات الأوروبية بسرعة. هذه هي الفرصة التي تراها الصين، حيث يمكنها أن تقدم نفسها كقوة كبرى لم تشعل فتيل الأزمة.
هذا لا يعني أن بكين محايدة بالمعنى الحرفي للكلمة. فالصين لديها مصالحها الخاصة في النفط الإيراني، وممرات الشحن في الخليج، ومعارضة الهيمنة العسكرية الأمريكية. ولديها أيضاً أسباب لتجنب صراع أكبر قد يضر باقتصادها المتباطئ. فقد ضعف نمو الصين مقارنة بفترة النمو المرتفع في العقود السابقة. وأشار البنك الدولي ومؤسسات كبرى أخرى إلى انخفاض الطلب، وركود قطاع العقارات، والضغوط السكانية. لذا، فإن أي صدمة طويلة الأمد في أسعار الطاقة لن تكون موضع ترحيب. وبذلك، فإن حذر بكين ينبع من مصلحتها الاستراتيجية، ولكن في عالم السياسة، يمكن تقديم المصلحة الذاتية على أنها مسؤولية.
هذا التقديم مهم لأن السياسة الأوروبية لم تعد قائمة على إجماع واحد بشأن الصين، بل أصبحت الصورة منقسمة. فقد روجت المفوضية الأوروبية لسياسة "إزالة المخاطر" (de-risking)، خاصة في التقنيات الحساسة، لكن الدول الأعضاء تختلف بشدة. ففرنسا تتحدث أكثر عن الاستقلال الاستراتيجي، وألمانيا تحاول تشديد لغتها الأمنية مع الحفاظ على التجارة، والمجر تبنت انخراطاً اقتصادياً أعمق مع بكين. وفي الانتخابات في جميع أنحاء القارة، هاجم الشعبويون اليمينيون وأجزاء من اليسار ما يعتبرونه اعتماداً أعمى على أولويات الولايات المتحدة. ويمنح موقف الصين الحذر كل هذه الفصائل مادة لجدالاتهم السياسية الداخلية.
يتجلى النمط نفسه في دول الجنوب العالمي، حيث ترفض الحكومات غالباً فكرة النظر إلى كل صراع من منظور واشنطن. وتتذكر العديد من الدول حرب العراق، وسياسات تغيير الأنظمة، وأنظمة العقوبات التي جلبت معاناة إنسانية دون تحقيق نتائج مستقرة. وقد عملت بكين لسنوات على تقديم نفسها كبطلة للسيادة والتنمية، مستخدمةً الزيارات الرسمية وتمويل التنمية والمنتديات متعددة الأطراف مثل "بريكس" لتعزيز هذه الهوية. وخلال أزمة تشمل إيران، فإن مجرد الابتعاد والدعوة إلى الهدوء يمكن أن يعزز هذه الصورة بشكل أفضل من أي تدخل دراماتيكي.
هناك نتيجة سياسية واضحة لهذا النهج، فرسالة الصين قد تعمق النقاشات القائمة بالفعل داخل الحكومات الديمقراطية حول التحالفات الخارجية. هل يجب على أوروبا اتباع الولايات المتحدة عن كثب في القضايا الأمنية حتى لو كانت التكاليف الاقتصادية باهظة؟ أم يجب عليها توزيع المخاطر بالحفاظ على روابط أقوى مع بكين رغم المخاوف بشأن حقوق الإنسان وتشوهات السوق والأمن القومي؟ هذه ليست أسئلة نظرية، فهي تشكل القرارات المتعلقة بفحص الاستثمارات، وضوابط التكنولوجيا، وملكية الموانئ، وسياسات الاتصالات، والدعم الصناعي. كما أنها تؤثر على الحملات الانتخابية، حيث تربط الأحزاب بشكل متزايد بين الجغرافيا السياسية وأسعار السلع والوظائف.
هناك خطر أيضاً في نهج بكين، فيمكن لدولة ما أن تكسب رصيداً سياسياً قصير المدى بظهورها هادئة، بينما تستفيد من عدم استقرار لم تعمل على إيقافه. فسجل الصين لا يدعم فكرة أنها ضامن نزيه للسلام، فموقفها تجاه تايوان، وعسكرة بحر الصين الجنوبي، واستخدامها للإكراه التجاري ضد دول مثل أستراليا وليتوانيا، أثارت قلق العديد من الحكومات. ويعرف المسؤولون الأوروبيون ذلك، لكن التحدي يكمن في أن الناخبين غالباً ما يحكمون على التحالفات الخارجية بناءً على النتائج الملموسة وليس النظريات الاستراتيجية. فإذا ارتبطت القوة الأمريكية بحرب أخرى مكلفة، وارتبطت الصين بالمصانع والسيارات الكهربائية والبنية التحتية، فقد تتغير الموازين السياسية حتى لو كانت الحقيقة أعمق وأكثر تعقيداً.
لهذا السبب، تحتاج الحكومات الأوروبية إلى رد أوضح من مجرد تكرار الولاء للتحالف عبر الأطلسي. فهي بحاجة إلى شرح التكاليف بصدق وتقليل نقاط الضعف التي تجعل كل أزمة خارجية قابلة للانفجار سياسياً. وهذا يعني تسريع تنويع مصادر الطاقة، وتقوية الصناعة المحلية، وبناء سلاسل إمداد مرنة، وإجراء نقاش أكثر جدية مع الناخبين حول السياسة الخارجية. ويعني أيضاً التعامل مع الصين على أساس الأدلة وليس الشعارات، فأوروبا لا تستطيع تحمل الرومانسية تجاه بكين أو الإنكار التام للترابط الاقتصادي.
لدى الولايات المتحدة أيضاً درس يجب أن تستوعبه. فالقوة العسكرية لا تزال قادرة على الردع، لكن الاضطرابات المتكررة تضعف الثقة السياسية بين الحلفاء. وإذا أرادت واشنطن أن تظل الشريك المفضل، فعليها أن تظهر أن قيادتها تقلل المخاطر بدلاً من نشرها. ولا يمكنها الاعتماد على التاريخ وحده لإثبات ذلك، بل يجب أن تثبته في الواقع الاقتصادي والحياة العامة اليوم.
قد لا يكون المكسب الحقيقي للصين من الصراع الأمريكي الإيراني في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات، بل قد يكون في غرف اللجان، واجتماعات الحكومات، والحملات الانتخابية البعيدة عن الخليج. فمن خلال تقليل تحركاتها العلنية، تحاول بكين قول المزيد سياسياً. والخطر بالنسبة لأوروبا ليس أن هذه الرسالة خاطئة تماماً، بل أنها في زمن مرهق، قد تبدو مقنعة بما فيه الكفاية.