الاعتماد المتزايد على الأوامر التنفيذية يخلق تخبطاً مستمراً في السياسات
٣٠ مارس ٢٠٢٦

يعتقد الناس غالباً أن أكبر تهديد للاستقرار السياسي هو الجمود في السلطة التشريعية. ويفترضون أنه عندما يرفض المشرعون التوصل إلى حلول وسط، فإن الحكومة تتوقف ببساطة عن العمل. لكن هذا مفهوم خاطئ وشائع. فالواقع في الحقيقة أكثر فوضوية بكثير. فعندما تتعطل البرلمانات والمجالس التشريعية، لا يقف الرؤساء ورؤساء الوزراء مكتوفي الأيدي، بل يتجاوزون العملية التشريعية بالكامل بشكل متزايد. إنهم يحكمون من خلال الإجراءات التنفيذية والتكليفات الإدارية ومراسيم الطوارئ. وبالنسبة للناس، يبدو هذا كأنه قيادة قوية، ويخلق وهماً بالتقدم السريع. لكن الحقيقة هي أن الحكم بالمراسيم يخلق نظاماً غير مستقر إلى حد كبير، ويضمن إعادة كتابة السياسات الوطنية الكبرى في كل مرة تنتقل فيها السلطة.
على مدى العقدين الماضيين، ارتفع حجم الأوامر التنفيذية الهامة بشكل كبير في العديد من الديمقراطيات الغربية. وتتتبع البيانات التي جمعها باحثون في العلوم السياسية هذا التحول بوضوح. وتظهر الدراسات التي تبحث في الرئاسة الأمريكية أن الرؤساء الحاليين يصدرون معدلاً أعلى بكثير من التوجيهات السياسية الرئيسية في عامهم الأول مقارنة بالرؤساء قبل خمسين عاماً. وتظهر اتجاهات مماثلة في الأنظمة البرلمانية الأوروبية. ففي الدول ذات الحكومات الائتلافية المنقسمة، أصبح الحكم بالمراسيم أداة معتادة لتجاوز النقاشات التي لا تنتهي. ويشير الباحثون الذين يراقبون مساءلة الحكومات إلى أن الناس أصبحوا منهكين بشكل متزايد من هذا الوضع الذي لا يمكن التنبؤ به. فعندما لا يتم ترسيخ القواعد من خلال تشريعات رسمية، فإنها ترتكز على أسس هشة. فتوقيع واحد يمكن أن ينشئ سياسة وطنية ضخمة، لكن توقيعاً مختلفاً يمكن أن يمحوها بالسرعة نفسها.
السبب الجذري لهذا التحول هو الاستقطاب الحزبي المتجذر. فالمشرعون اليوم يعاقَبون بشدة من قبل ناخبيهم الأكثر تشدداً على أي تسوية مع المعارضة. وأصبحت صياغة تشريعات يتفق عليها الحزبان أمراً محفوفاً بالمخاطر للغاية على المسيرة السياسية. وبدلاً من القيام بالعمل الشاق لبناء التوافق، يجد المشرعون أنه من الأسهل تسليم سلطتهم للسلطة التنفيذية. يمكنهم الشكوى من المشاكل على شاشات التلفزيون بينما يتركون للرئيس التعامل مع التفاصيل الفعلية. ويسعد الرؤساء دائماً تقريباً بامتصاص هذه السلطة. فالإجراءات الأحادية تسمح للقائد بتحقيق انتصارات فورية لأنصاره الأساسيين دون الدخول في تسويات فوضوية داخل قاعات البرلمان. علاوة على ذلك، فإن دورة الأخبار الحديثة تكافئ هذا الإجراء السريع، فتوقيع قائد على مرسوم شامل يصنع تغطية إخبارية مثيرة، بينما لا تحظى شهور من جلسات اللجان المملة بنفس الاهتمام.
يغير هذا التحول بشكل أساسي طبيعة سلطة الدولة. فقد صُممت السلطة التشريعية في الأصل لتكون المحرك الأساسي للحكومة لأنها تمثل مزيجاً واسعاً من السكان. وعندما تمر القوانين بجولات متعددة من النقاش، فإنها تميل نحو الوسط السياسي. في المقابل، عادة ما تتم صياغة الأوامر التنفيذية من قبل دائرة صغيرة من المستشارين خلف أبواب مغلقة، وتكون مصممة لإرضاء قاعدة سياسية معينة بدلاً من بناء توافق وطني. وهذا يعني أن السياسات الناتجة غالباً ما تكون أكثر تطرفاً بكثير مما يمكن أن تقره هيئة تشريعية منقسمة. وعندما تُفرض هذه السياسات المتطرفة فجأة على الناس، فإنها تثير ردود فعل غاضبة وشديدة وتؤجج المزيد من الانقسام السياسي.
الخاسرون الحقيقيون في هذا النظام هم المواطنون العاديون والعمال وأصحاب الشركات. فهذا التغيير المستمر في القواعد يخلق ظاهرة تُعرف بالتخبط السياسي. تخيل شركة صناعية صغيرة تحاول التخطيط لميزانيتها للسنوات الخمس القادمة. في ظل إدارة ما، قد يتم تطبيق اللوائح البيئية ولوائح العمل بصرامة بموجب أمر تنفيذي. وبعد أربع سنوات، يتولى قائد جديد منصبه ويمحو تلك القواعد فوراً بجرّة قلم، ويستبدلها بمعايير مختلفة تماماً. هذا التقلب الشديد يثبط الاستثمار والتوظيف، فالشركات لا يمكنها بناء منشآت جديدة أو توظيف عمال جدد عندما لا تستطيع التنبؤ بما سيكون عليه القانون.
يضر هذا التخبط أيضاً بشدة بثقة الناس في المؤسسات الحكومية. فعندما يتم التعامل مع أشكال الحماية والالتزامات كقواعد مؤقتة بدلاً من قوانين مستقرة، يفقد الناس إيمانهم باستقرار مجتمعهم. وتعاني الحكومات المحلية أيضاً. فالمجالس البلدية تعتمد على تمويل ولوائح وطنية يمكن التنبؤ بها لبناء الطرق والجسور والمدارس. وعندما يغير القادة الوطنيون أولويات التمويل باستمرار من خلال الأوامر الإدارية، تتأخر مشاريع البنية التحتية المحلية أو يتم التخلي عنها بالكامل. ولا يمكن للعائلات الاعتماد على برامج اجتماعية أو دعم للرعاية الصحية قد يختفي ببساطة بين عشية وضحاها لأن محكمة ما أبطلت مرسوماً تنفيذياً.
يتطلب إصلاح هذا الوضع تحولاً ثقافياً وهيكلياً للعودة نحو السلطة التشريعية. أولاً، يجب على الأنظمة السياسية تغيير طريقة انتخاب المرشحين لمكافأة أولئك الذين يبنون التحالفات. يمكن لإصلاحات مثل الانتخابات التمهيدية المفتوحة أو التصويت التفضيلي أن تساعد في انتخاب مشرعين لديهم دافع حقيقي للتفاوض وإقرار القوانين. وعندما يتحرر السياسيون من الخوف من مواجهة مرشح متطرف في الانتخابات التمهيدية، فمن المرجح أن يجلسوا مع خصومهم لصياغة تشريعات دائمة. ثانياً، تحتاج الأنظمة القضائية إلى كبح توسع السلطة التنفيذية بحزم. فعندما تبطل المحاكم باستمرار المراسيم الإدارية التي تتجاوز صلاحياتها، فإنها تلغي هذا الطريق المختصر، وتجبر القادة على العودة إلى طاولة المفاوضات.
والأهم من ذلك، يحتاج الناخبون إلى خفض توقعاتهم بحدوث معجزات سياسية بين عشية وضحاها. فالسياسة الحقيقية والدائمة تستغرق وقتاً. يجب على الناس أن يتعلموا مكافأة العمل البطيء للتسوية التشريعية بدلاً من الهتاف للإجراءات الأحادية. إن إغراء الحل السريع قوة جبارة في السياسة الحديثة، ومن المُرضي مشاهدة قائد يتجاوز الجدل ويفرض حلاً ببساطة. ومع ذلك، يظهر التاريخ أن الاستقرار السياسي الحقيقي يعتمد على عملية النقاش المحبطة. فالديمقراطية السليمة لا تقاس بمدى سرعة قائد واحد في إصدار الأوامر، بل تقاس بمدى استمرارية القوانين التي تحكم الحياة اليومية. إذا أردنا حكومة توفر اليقين، فيجب أن نطالب ممثلينا المنتخبين بالقيام بالعمل الشاق للتشريع مرة أخرى. والبديل هو دورة لا تنتهي من التخبط، حيث تؤدي كل انتخابات ببساطة إلى إعادة ضبط القواعد من جديد.