عندما تغلق الصحف المحلية، تتلاشى معها مساءلة الحكومات
٢٩ مارس ٢٠٢٦

في عصر يهيمن عليه المشهد السياسي الوطني الصاخب، من السهل أن نغفل عن أزمة أخرى أكثر هدوءًا وتأثيرًا على المستوى المحلي. فالأحداث اليومية في العاصمة تستحوذ على اهتمامنا، وتُنقل عبر القنوات الإخبارية وتنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن في بلدات ومقاطعات كثيرة، يتآكل ركن أساسي من أركان الحكم الديمقراطي دون ضجيج يُذكر. إن الاختفاء المستمر للصحف المحلية ليس مجرد مشكلة في قطاع الإعلام، بل هو يخلق فراغًا في الحياة المدنية، مما يسمح بتفشي انعدام الكفاءة والهدر، وأحيانًا الفساد، دون حسيب أو رقيب.
يعتقد الكثيرون أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد حلت ببساطة محل الصحف المحلية القديمة. لكن الأدلة ترسم صورة أكثر إثارة للقلق. فقد أظهرت الأبحاث باستمرار أنه عندما تُغلق صحيفة محلية، فإن المشاركة المجتمعية ومساءلة الحكومات تتراجعان بشكل ملموس. وكشفت دراسة بارزة أجراها باحثون في جامعة إلينوي في شيكاغو وجامعة نوتردام عن وجود عواقب مالية مباشرة. ففي البلديات التي أُغلقت فيها صحيفة محلية، ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل ملحوظ خلال السنوات التالية. فبدون وجود صحفيين يدققون في السندات البلدية ومقترحات الميزانية، يرى المقرضون أن المخاطر أكبر، مما يدفعهم إلى تحميل دافعي الضرائب تلك التكاليف الإضافية.
والعواقب السياسية لا تقل حدة. تشير بيانات من دراسات متعددة في العلوم السياسية إلى أنه في المجتمعات التي تفقد مصدر أخبارها المحلي، تنخفض نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية. ويقل عدد الأشخاص الذين يترشحون للمناصب، خاصة في الانتخابات على المناصب الأقل أهمية مثل مجالس المدارس والمجالس البلدية ومفوضيات المقاطعات. ويزداد احتمال ترشح المسؤولين الحاليين دون منافس، مما يقلل من المنافسة السياسية ويجعل الحكومات المحلية أقل استجابة للمواطنين الذين من المفترض أن تخدمهم. وقد فقدت الولايات المتحدة أكثر من ربع صحفها منذ عام 2005، مما ترك ما يقدر بنحو 70 مليون أمريكي في مقاطعات لا يوجد بها أي مؤسسة إخبارية محلية أو توجد بها مؤسسة واحدة فقط.
الأسباب الكامنة وراء هذا الانهيار اقتصادية في المقام الأول. فقد دمر الإنترنت نموذج العمل الذي دعمت به الصحافة المحلية لأكثر من قرن، والذي كان قائمًا على الإعلانات المطبوعة والمبوبة. استحوذ موقع "كريغزلست" على سوق الإعلانات المبوبة، بينما سيطرت شركتا "جوجل" و"فيسبوك" على الغالبية العظمى من إيرادات الإعلانات الرقمية. بالنسبة لمعظم وسائل الإعلام المحلية، فشلت الاشتراكات الرقمية والإعلانات عبر الإنترنت في تعويض الدخل المفقود. وغالبًا ما تفاقم هذا الضغط الاقتصادي بسبب اندماج ملكية وسائل الإعلام. فقد استحوذت شركات استثمارية كبرى وشبكات وطنية على الصحف المحلية، ولجأت في كثير من الأحيان إلى تخفيضات كبيرة في عدد موظفي غرف الأخبار لزيادة الأرباح على المدى القصير، مما أفرغ هذه المطبوعات من محتواها قبل إغلاقها في نهاية المطاف.
ويمتد تأثير هذا الفراغ إلى ما هو أبعد من الميزانيات والانتخابات. فعندما تختفي الصحافة المهنية التي تخضع للمراجعة التحريرية، غالبًا ما يحل محلها معلومات غير موثوقة وشائعات وخطابات حزبية تنتشر عبر مجموعات التواصل الاجتماعي المحلية. ويمكن أن تصبح هذه المنصات أرضًا خصبة للمعلومات المضللة، مما يعمق الانقسامات المحلية ويجعل الحوار العام البنّاء شبه مستحيل. وبدون وجود صحفيين يحضرون اجتماع مجلس التخطيط الأسبوعي أو يدققون في السجلات العامة، تُتخذ قرارات حاسمة بشأن تقسيم المناطق والبنية التحتية والسلامة العامة دون أي رقابة شعبية تُذكر. فالعمل الأساسي، وغير الجذاب في كثير من الأحيان، المتمثل في مساءلة السلطة المحلية يتوقف ببساطة.
هذا الاتجاه ليس حتميًا، لكن عكسه يتطلب إعادة تفكير جوهرية في كيفية تقديرنا ودعمنا للمعلومات المحلية. ففي جميع أنحاء البلاد، تظهر نماذج جديدة بدافع الضرورة. بدأت مؤسسات إخبارية غير ربحية، ممولة بمزيج من المنح الخيرية ودعم المؤسسات وتبرعات القراء، في الظهور لملء الفراغ. وقد أصبحت منظمات مثل "ذا تكساس تريبيون" في تكساس و"في تي ديغر" في فيرمونت مصادر أساسية للتغطية الإخبارية على مستوى الولاية والمستوى المحلي، مما يثبت أن النموذج غير الربحي يمكن أن ينتج صحافة عالية التأثير تخدم المصلحة العامة. وتدعو بعض المقترحات إلى التمويل العام، على غرار الدعم الذي تقدمه ديمقراطيات أخرى لوسائل الإعلام الخدمية، من خلال الإعفاءات الضريبية للاشتراكات الإخبارية أو المنح المباشرة للمنافذ الإخبارية المحلية.
وهناك حلول أخرى مجتمعية أكثر، تركز على مشاريع الصحافة التعاونية حيث تجمع عدة غرف أخبار صغيرة مواردها لتغطية القضايا الأكبر. كما تتدخل الجامعات أيضًا، حيث تنشئ كليات الصحافة مكاتب إخبارية لتغطية أخبار حكومات الولايات والمجتمعات التي تعاني من نقص الخدمات. وتمثل هذه الجهود اعترافًا متزايدًا بأن الأخبار المحلية ليست مجرد سلعة استهلاكية أخرى؛ بل هي منفعة عامة، وجزء أساسي من البنية التحتية المدنية لا يقل أهمية عن الطرق أو المدارس.
في النهاية، يرتبط مصير الحكم المحلي بمصير الأخبار المحلية. فالمواطنون المطلعون هم أساس الديمقراطية السليمة، وهذه المعلومات لا تظهر من فراغ. فهي تتطلب العمل الدؤوب لصحفيين يعيشون في المجتمعات التي يغطونها، ويفهمون سياقها المحلي، وملتزمون بالعملية الشاقة المتمثلة في طرح الأسئلة وطلب الإجابات. إن إعادة بناء هذه البنية التحتية الحيوية هي واحدة من أكثر التحديات السياسية إلحاحًا في عصرنا، وهي التي ستحدد ما إذا كانت مجتمعاتنا ستحكم بالشفافية والمساءلة أم باللامبالاة والإهمال.