إلغاء الإدارة الوسطى يدمر إنتاجية الشركات بهدوء
٣٠ مارس ٢٠٢٦

لسنوات، تعامل عالم الشركات مع المديرين في الإدارة الوسطى على أنهم عبء مزعج ومكلف. واتفق قادة الأعمال ومؤسسو الشركات الناشئة والاستشاريون باهظو الثمن على فكرة سائدة. وهي أنه إذا أردت لشركة أن تتحرك أسرع وتبتكر بشكل أفضل وتوفر المال، فعليك تبسيط الهيكل الإداري وإلغاء الوسطاء. ويسود اعتقاد بأن المديرين الموجودين بين المسؤولين التنفيذيين والموظفين في الخطوط الأمامية لا يفعلون شيئاً سوى نقل الأوراق وجدولة اجتماعات غير ضرورية وإبطاء التقدم. اكتسبت هذه الفلسفة شعبية كبيرة في التسعينيات، وسرعان ما أصبحت النموذج التشغيلي الأساسي لشركات التكنولوجيا الحديثة التي كانت تفخر بعدم وجود مديرين تقليديين لديها. لكن نظرة فاحصة على أداء الشركات خلال العقد الماضي تكشف حقيقة مفاجئة. إن التخلص من الإدارة الوسطى لا يخلق مؤسسة مرنة ورشيقة، بل يؤدي بشكل متكرر إلى شلل في اتخاذ القرار، وإرهاق واسع النطاق بين الموظفين، وانخفاض ملموس في إنتاجية الشركة الإجمالية.
تروي البيانات المتعلقة بالهياكل الإدارية للشركات قصة مختلفة تماماً عن الرواية الشائعة. وجد الباحثون الذين يدرسون السلوك التنظيمي مراراً وتكراراً أن وجود طبقة قوية من الإدارة الوسطى هو في الواقع أحد أوضح المؤشرات على نجاح الشركة على المدى الطويل. وكشفت مراجعة شاملة لأداء الشركات أجراها باحثون في كلية وارتون أن المديرين في الإدارة الوسطى هم المحرك الأساسي للتنفيذ الاستراتيجي. وعندما تلغي الشركات هذه الوظائف لتوفير الرواتب، سرعان ما يتبدد الدعم المالي قصير المدى بسبب الإخفاقات التشغيلية طويلة الأمد. في قطاع التكنولوجيا، حيث كانت الهياكل الإدارية المبسطة فكرة جذابة، أثبتت الأبحاث الداخلية من شركات كبرى عكس ما توقعه المؤسسون تماماً. ومن الأمثلة الشهيرة أن جوجل أطلقت دراسة داخلية استمرت لسنوات، وكانت مصممة خصيصاً لإثبات أن المديرين غير مهمين. توقع فريق الموارد البشرية أن يجد أن المهندسين يعملون بشكل أفضل عندما يُتركون بمفردهم تماماً. لكن بدلاً من ذلك، أظهرت بياناتهم أن المديرين الجيدين في الإدارة الوسطى كانوا العامل الأكثر أهمية في أداء الفريق، والاحتفاظ بالموظفين، والإنتاج الإجمالي.
عادة ما ينبع الدافع لتفريغ وسط السلم الوظيفي من سوء فهم أساسي لما يفعله هؤلاء الموظفون بالفعل. في جدول البيانات المالية، يبدو المدير في الإدارة الوسطى مجرد تكلفة إضافية. فهم لا يكتبون أكواد البرامج، ولا يجمعون المنتجات في المصانع، ولا يتخذون القرارات التنفيذية النهائية. وعندما يأتي المحللون الماليون أو شركات الاستشارات لإعادة هيكلة شركة متعثرة، يكون هؤلاء المديرون أسهل الأهداف لتحقيق وفورات فورية في التكاليف. السبب الكامن وراء هذا التوجه هو التحول نحو التفكير المالي قصير المدى. ويتعرض المسؤولون التنفيذيون لضغوط هائلة من المساهمين لتحقيق زيادات فورية في الأرباح الفصلية. إن فصل طبقة من المشرفين ذوي الأجور الجيدة يحسن الميزانية العمومية على الفور. بالإضافة إلى ذلك، حاولت الشركات بشكل متزايد استبدال المديرين البشريين ببرامج آلية لتتبع المهام. ويعتقد المسؤولون التنفيذيون خطأً أنه إذا كان بإمكان خوارزمية ما إسناد المهام وقياس الإنتاج، فإن المشرف البشري لم يعد ضرورياً. ولكن العمل اليومي الفعلي لإدارة الأفراد وحل النزاعات وترجمة الاستراتيجيات العليا إلى مهام يومية لا يمكن أن يقوم به جهاز كمبيوتر. وهذا العبء الثقيل من العمل لا يختفي بمجرد التخلي عن المدير.
عواقب غياب هذه الطبقة الإدارية تدمر الشركات بهدوء من الداخل. عندما يختفي المدير في الإدارة الوسطى، تقع مسؤولياته حتماً على عاتق مجموعتين من الأشخاص غير مستعدتين تماماً لهذا العبء. فجأة، يجد كبار المسؤولين التنفيذيين أنفسهم غارقين في أسئلة تشغيلية بسيطة، مما لا يترك لهم وقتاً للتركيز على الرؤية الأوسع للشركة. في الوقت نفسه، يُترك الموظفون المبتدئون دون توجيه أو إشراف أو أولويات واضحة. يخلق هذا الوضع بيئة عمل فوضوية ينهار فيها التواصل، وتتوقف المشاريع، وتبدأ الأقسام المختلفة بالعمل بأهداف متعارضة. في أماكن العمل الحديثة في الولايات المتحدة وأوروبا، تظهر استطلاعات رأي الموظفين باستمرار مستويات قياسية من الإرهاق وعدم الانخراط. ويمكن إرجاع جزء كبير من هذه المعاناة مباشرة إلى غياب مدير مخصص يمكنه حماية موظفي الخطوط الأمامية من المطالب غير المتوقعة للإدارة العليا. علاوة على ذلك، فإن إلغاء هذه الأدوار يدمر المسار التقليدي للتقدم الوظيفي، فلا يجد الموظفون درجة وسيطة يصعدون إليها. وهذا يخلق حلقة مفقودة في السلم الوظيفي، مما يؤدي إلى خسارة فادحة للمعرفة المؤسسية حيث يغادر الموظفون الطموحون الشركة ببساطة للبحث عن ترقيات في مكان آخر.
يتطلب إصلاح هذه الأزمة المنتشرة تغييراً جذرياً في نظرة الشركات الحديثة لمفهوم الإدارة. يجب على مجالس الإدارات والفرق التنفيذية التوقف عن التعامل مع الطبقة الوسطى من القوى العاملة لديهم كعبء مالي، والبدء في التعامل معها كبنية تحتية تشغيلية أساسية. تحتاج الشركات إلى إعادة بناء مساراتها الإدارية بشكل واضح، ولكن مع تركيز حديث. فبدلاً من مجرد ترقية أفضل الموظفين الفنيين إلى مناصب إدارية دون أي دعم قيادي، يجب على المؤسسات تدريب المديرين ليعملوا كمدربين ومترجمين للاستراتيجيات. ويجب على إدارات الموارد البشرية أن تدعم تحديد نطاقات إشراف واقعية، مما يضمن عدم إجبار أي مدير على الإشراف المباشر على أكثر من عدد قليل من الأشخاص في وقت واحد. عندما يُمنح المدير فريقاً بحجم معقول والسلطة الفعلية لاتخاذ القرارات، فإنه يتوقف عن كونه عقبة إدارية، ويتحول مرة أخرى إلى جسر حيوي بين الأفكار الكبرى التي تولد في مجلس الإدارة والحقائق العملية في مكان العمل.
إن الفكرة الجذابة للمؤسسة ذات الهيكل المبسط تماماً تتلاشى بسرعة، حيث أصبح من المستحيل تجاهل التكاليف الحقيقية للفوضى في الشركات. الشركة التي ليس لديها إدارة وسطى قوية تشبه جسداً بلا عمود فقري. قد تبدو على الورق أكثر رشاقة وأقل وزناً، لكنها ببساطة لا تستطيع الصمود أمام الضغوط اليومية للسوق التنافسية. يقوم المديرون في الإدارة الوسطى بالعمل الهادئ وغير البراق الذي يحافظ على تماسك المؤسسة. فهم يترجمون الأهداف المجردة إلى خطوات قابلة للتنفيذ، ويحمون الموظفين من أهواء المسؤولين التنفيذيين المتقلبة، ويطورون الجيل القادم من قادة الشركة. إن التخلص منهم من أجل زيادة سريعة في الأرباح الفصلية هو استراتيجية مدمرة للذات بشكل أساسي، وهي تفرغ الشركة من مضمونها بمرور الوقت. وبينما يواصل عالم الشركات التعامل مع اقتصاد عالمي معقد وسريع التغير، فإن الشركات التي ستبقى ليست تلك التي جردت نفسها من كل شيء، بل ستكون تلك التي تدرك القيمة الحقيقية للأشخاص الذين يحافظون على سير العمل كل يوم.