المكاتب المفتوحة: وُعِدنا بالتعاون، فكانت النتيجة تشتيتاً للانتباه

٢٩ مارس ٢٠٢٦

المكاتب المفتوحة: وُعِدنا بالتعاون، فكانت النتيجة تشتيتاً للانتباه

لعقود طويلة، جرى الترويج للمكاتب المفتوحة على أنها التجسيد الفعلي للمبادئ العصرية في عالم الشركات. أُزيلت الجدران بهدف إفساح المجال أمام عصر جديد من التعاون التلقائي، والطاقة الإبداعية، والهياكل الإدارية الأفقية. كانت الرؤية تتمثل في إنشاء مركز عمل حيوي تتدفق فيه الأفكار بسهولة، تماماً مثل حركة الموظفين بين المكاتب. ولكن مجموعة متزايدة من الأدلة التي تجمعت على مدى أكثر من عشرين عاماً، تروي قصة مختلفة تماماً. فتجربة المكاتب المفتوحة الكبرى، التي كان الهدف منها توحيد الموظفين، أدت في الغالب إلى مزيد من تشتيت الانتباه، وإنتاجية أقل، وتراجع ملحوظ في التواصل الفعّال. لقد تبدد الوعد ببيئة عمل مثالية وتعاونية، ليحل محله واقع صاخب ومُشتت للانتباه.

البيانات التي تدحض نموذج المكاتب المفتوحة ليست جديدة، لكن تجاهلها أصبح يزداد صعوبة على قادة الشركات. واحدة من أبرز الدراسات الحاسمة في هذا المجال أجراها باحثون من كلية هارفارد للأعمال في عام 2018. من خلال تتبع سلوك الموظفين في إحدى شركات قائمة "فورتشن 500" أثناء تحولها إلى تصميم المكاتب المفتوحة، توصل الباحثون إلى اكتشاف مذهل. فبدلاً من زيادة العمل الجماعي، تسببت البيئة الجديدة في انخفاض التفاعل المباشر بين الموظفين بنسبة 70% تقريباً. وفي المقابل، ارتفعت وتيرة التواصل الإلكتروني بشكل كبير، مثل رسائل البريد الإلكتروني والرسائل الفورية. وبسبب حرمانهم من الخصوصية، لجأ الموظفون إلى الانعزال خلف شاشاتهم، ليبنوا جدراناً افتراضية بدلاً من الجدران الحقيقية التي أُزيلت. لم تكن هذه النتيجة شاذة، بل أكدت ما أشارت إليه الأبحاث السابقة منذ فترة طويلة. فقد ربطت الدراسات التي يعود تاريخها إلى أوائل الألفية الثانية باستمرار بين تصميم المكاتب المفتوحة وزيادة العبء الذهني، وارتفاع مستويات التوتر، والانخفاض الكبير في رضا الموظفين.

إذاً، لماذا لا تزال المكاتب المفتوحة قائمة رغم كل هذه الأدلة القاطعة على فشلها؟ السبب الرئيسي ليس تشجيع التعاون، بل خفض التكاليف. فالتصميم المفتوح يسمح للشركات بوضع عدد أكبر من الموظفين في مساحة أصغر. وهذا يقلل بشكل كبير من تكاليف العقارات، التي غالباً ما تكون ثاني أكبر مصدر للنفقات في الشركة بعد الرواتب. وهذا الحافز المالي قوي جداً. يمكن للمدير أن ينظر عبر طابق العمل المزدحم ليرى قوة عاملة مكتظة وفعالة من حيث التكلفة. يعزز هذا المشهد تصوراً بوجود إنتاجية عالية، حتى لو كان الواقع هو أن الموظفين يكافحون للتركيز وسط المقاطعات المستمرة. أصبح هذا التصميم أيضاً رمزاً قوياً لثقافة الشركات التقدمية، وهو توجه جمالي مستوحى من شركات التكنولوجيا الناشئة في وادي السيليكون. لقد بدا تصميماً عصرياً وشفافاً ويساوي بين الجميع، مما جعله أداة تسويقية قوية لجذب المواهب، بغض النظر عن تأثيره على العمل اليومي.

إن عواقب فلسفة التصميم هذه تتجاوز مجرد الإزعاج البسيط. فتأثيرها على الإنتاجية كبير جداً. تُظهر أبحاث علم النفس المعرفي أن استعادة التركيز بالكامل بعد مقاطعة واحدة تستغرق في المتوسط أكثر من 20 دقيقة. في المكتب المفتوح العادي، حيث الأحاديث والمكالمات الهاتفية والحركة لا تتوقف، يصبح العمل الذي يتطلب تركيزاً عميقاً شبه مستحيل. وهذا يؤدي إلى ما يُعرف بـ "التنقل بين المهام"، وهي عملية مرهقة ذهنياً تستنزف الطاقة وتؤدي إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء. كما أن التبعات الصحية لا يُستهان بها أيضاً. فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة سيدني عام 2014 أن الموظفين في المكاتب المفتوحة التي لا تحتوي على غرف خاصة يعانون من مستويات أعلى من التوتر وشعور أقل بالراحة العامة. علاوة على ذلك، أظهرت بيانات الصحة العامة أن الموظفين في المكاتب المفتوحة يأخذون إجازات مرضية أكثر بكثير، لأن غياب الحواجز المادية يسهل الانتشار السريع للجراثيم.

مع تخطيط الشركات لعودة الموظفين إلى المكاتب بعد الجائحة، تبرز فرصة فريدة لتصحيح هذا الخطأ الذي استمر لعقود. الحل لا يكمن بالضرورة في العودة الكاملة إلى مكاتب "الكيوبيكل" المعزولة التي كانت سائدة في الماضي. بدلاً من ذلك، هناك نهج أكثر مرونة يكتسب زخماً، يُعرف باسم "العمل القائم على النشاط". يوفر هذا النموذج للموظفين مساحات متنوعة مصممة لمهام مختلفة: مناطق هادئة للعمل الذي يتطلب تركيزاً، وكبائن خاصة للمكالمات السرية، وصالات مريحة لجلسات العصف الذهني غير الرسمية، وغرف اجتماعات تقليدية للاجتماعات الرسمية. وهذا يمنح الموظفين القدرة على اختيار البيئة التي تناسب احتياجاتهم في أي وقت، جامعاً بين الاستقلالية والتعاون الهادف. إنه يتعامل مع المكتب ليس كحاوية إلزامية، بل كأداة يمكن استخدامها بشكل استراتيجي.

في النهاية، فإن الإرث الباقي للمكاتب المفتوحة هو قصة تحذيرية عن مخاطر إعطاء الأولوية للتكلفة والمظهر على حساب الطبيعة النفسية للإنسان والإنتاجية الحقيقية. لقد كانت فكرة تبدو جيدة على الورق، وأنيقة في مجلات الهندسة المعمارية، لكنها فشلت في الاختبار الأساسي المتعلق بكيفية عمل الناس فعلياً. مستقبل المكاتب لا يكمن في المساحات المفتوحة على مصراعيها، بل في التصاميم المرنة التي تركز على الإنسان وتوفر توازناً بين الخصوصية والتواصل. ومن خلال الاعتراف أخيراً بالفجوة الهائلة بين وعود المكاتب المفتوحة وواقعها المشتت للانتباه، يمكن للشركات أن تبدأ في بناء مساحات عمل تعزز الابتكار الحقيقي وتحترم التركيز العميق اللازم لتحقيقه.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Business