الحسابات الخاطئة الكبرى للشركات: لماذا تأتي عمليات التسريح الجماعي بنتائج عكسية غالباً
٢٨ مارس ٢٠٢٦

في عالم الأعمال الحديث، لا يوجد إجراء بنفس القدر من الدرامية والقبول الواسع مثل التسريح الجماعي للموظفين. غالباً ما يُصوَّر هذا الإجراء كجراحة مؤلمة لكنها ضرورية، وخطوة حاسمة من الإدارة لخفض التكاليف وتبسيط العمليات وتوجيه الشركة خلال الأوقات الاقتصادية الصعبة. وكثيراً ما يكافئ السوق هذا الإعلان بارتفاع مؤقت في سعر السهم، ويتم تقديمه كدليل على الانضباط المالي. لكن هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث والأدلة التاريخية التي تشير إلى أن هذا التفكير التقليدي هو تبسيط خطير للأمور. فالتخلي عن آلاف الموظفين دفعة واحدة ليس في الغالب خطوة استراتيجية بارعة، بل هو سوء تقدير عميق يمكن أن يلحق ضرراً كبيراً ودائماً بسلامة الشركة وقدرتها على الابتكار وربحيتها على المدى الطويل.
تأتي أقوى حجة ضد عمليات التسريح الجماعي من عقود من الدراسات الأكاديمية. فقد وجدت أبحاث من مؤسسات مثل جامعة ستانفورد وجامعة ميشيغان باستمرار أن تقليص العمالة غالباً ما يفشل في تحقيق الفوائد المالية المرجوة منه. ورغم أن الشركات قد ترى انخفاضاً فورياً في نفقات الرواتب، إلا أن هذا المكسب قصير الأجل غالباً ما تمحوه تكاليف خفية. تتبعت إحدى الدراسات البارزة أداء الشركات بعد إعلانات التسريح الكبرى ووجدت أن ربحيتها نادراً ما تحسنت. في الواقع، شهد الكثير منها أداءً أضعف لأسهمها مقارنة بنظيراتها في نفس القطاع في غضون ثلاث سنوات. وهكذا يتضح أن العلاج المزعوم يمكن أن يكون أسوأ من المرض، ويترك المريض أضعف مما كان عليه قبل التدخل.
السبب الرئيسي لهذا الفشل هو الخسارة الهائلة للمعرفة المؤسسية. فعندما يغادر الموظفون، فإنهم يأخذون معهم أكثر من مجرد مهاراتهم الوظيفية. إنهم يأخذون سنوات من الخبرة، وشبكات العلاقات غير الرسمية، والفهم البديهي لكيفية عمل الشركة فعلياً. هذه المعرفة غير المكتوبة هي النسيج الذي يربط المؤسسة ببعضها، مما يمكّن الفرق من حل المشكلات المعقدة والابتكار بكفاءة. وإزالتها فجأة تخلق فوضى تشغيلية، وتبطئ تطوير المنتجات، وتجبر الموظفين المتبقين على إعادة ابتكار عمليات كانت في السابق جزءاً من طبيعة عملهم. والاضطراب الناتج عن ذلك لا يظهر كبند في الميزانية العمومية، لكن تكاليفه من حيث الإنتاجية المفقودة والفرص الضائعة هائلة.
إلى جانب الاضطراب التشغيلي، تسمم عمليات التسريح ثقافة العمل الداخلية لدى من يبقى في الشركة. فالتأثير النفسي على الموظفين "الناجين" شديد وموثق جيداً. فبدلاً من الشعور بالامتنان، غالباً ما يعاني الموظفون الباقون من الشعور بالذنب والقلق وإحساس عميق بعدم الأمان. وتنهار معنوياتهم ومستوى مشاركتهم وهم يشاهدون زملاءهم يغادرون ويتساءلون عما إذا كانوا هم التاليين. وتعاني الإنتاجية لأنهم يتحملون أعباء عمل زملائهم السابقين، وكل ذلك في مناخ من الخوف. هذه البيئة تخنق الإبداع والمخاطرة، وهما المكونان الضروريان لتكيف الشركة ونموها. ويحل محل الولاء عقلية قائمة على المصلحة الشخصية، حيث يركز الموظفون على حماية أنفسهم أكثر من تركيزهم على النجاح الجماعي.
إذا كانت الأدلة تشير إلى مثل هذه النتائج السلبية، فلماذا يستمر قادة الشركات في الاعتماد بشكل كبير على هذه الأداة المعيبة؟ تكمن الإجابة في مزيج من الضغط الخارجي الشديد والمحاكاة المؤسسية. فغالباً ما يطالب محللو وول ستريت والمستثمرون باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة خلال فترات الركود، ويعتبر التسريح الواسع النطاق الطريقة الأكثر وضوحاً للإشارة إلى الالتزام بخفض التكاليف. ويمكن للارتفاع قصير الأجل في أسعار الأسهم الناتج عن ذلك أن يخلق حافزاً قوياً للمديرين التنفيذيين، وإن كان مضللاً. علاوة على ذلك، غالباً ما تنتشر ظاهرة تُعرف باسم "عدوى التسريح" داخل القطاع الواحد. فعندما تعلن إحدى الشركات الكبرى عن تخفيضات، يشعر منافسوها بضغط هائل لفعل الشيء نفسه، ليس لأنه التحرك الاستراتيجي الصحيح بالنسبة لهم، ولكن لتجنب الظهور بمظهر المتهاون أو الذي يفتقر إلى الإدارة الجيدة في نظر السوق.
تمتد العواقب طويلة الأجل إلى ما هو أبعد من المعنويات الداخلية. فسمعة الشركة كصاحب عمل تتضرر بشدة. قد لا يبدو هذا مهماً على المدى القصير، ولكن عندما تنعكس الدورة الاقتصادية، تجد هذه الشركات صعوبة بالغة في جذب أفضل المواهب. يتذكر المحترفون المهرة الشركات التي عاملت موظفيها كأصول يمكن التخلص منها، وتلك التي استثمرت فيهم خلال الأوقات الصعبة. وفي النهاية، يمكن لتكلفة التوظيف وتعيين وتدريب موظفين جدد لتحل محل الخبرة التي تم التخلص منها بإهمال، أن تتجاوز بكثير المدخرات الناتجة عن التسريح الأولي. وتجد المؤسسة نفسها في دائرة مستمرة من إعادة البناء، دون أن تستعيد بالكامل الزخم الذي فقدته.
لحسن الحظ، هناك بدائل أكثر استراتيجية وإنسانية. تركز الشركات ذات التفكير المستقبلي على بناء المرونة من خلال وسائل أخرى. وتشمل هذه الوسائل تجميد التوظيف، وتقليل الاعتماد على المتعاقدين، وتقديم حزم التقاعد الطوعي أو الاستقالة الاختيارية، وإعادة توزيع المواهب على أقسام أخرى في الشركة. وقد نجح البعض في استخدام تخفيضات مؤقتة وشاملة في الرواتب أو أسبوع عمل مضغوط لتجاوز الصعوبات المالية دون التضحية بقوتهم العاملة. هذه الأساليب تعبر عن الالتزام تجاه الموظفين، وتحافظ على المعرفة المؤسسية، وتبقي على الروح المعنوية اللازمة لتحقيق انتعاش قوي. وهي تتطلب بصيرة وتخطيطاً دقيقاً أكثر من التسريح، لكن المردود على المدى الطويل هو مؤسسة أكثر استقراراً وابتكاراً وولاءً.
في النهاية، يجب النظر إلى اللجوء السريع لعمليات التسريح الجماعي على حقيقته في كثير من الأحيان: فشل في القيادة ونقص في الخيال الاستراتيجي. إنها أداة فظة تُستخدم لحل مشكلة معقدة، وهي أداة تعطي الأولوية للمظاهر المالية الفورية على حساب السلامة المستدامة للمؤسسة. فالمقياس الحقيقي لقوة الشركة ليس مدى سرعة خفض عدد موظفيها، بل مدى قدرتها على تجاوز التحديات بفعالية دون التخلي عن أهم أصولها. وبينما تتطلع الشركات إلى المستقبل، يجب أن تتعلم أن بناء قوة عاملة مرنة هو استراتيجية أفضل بكثير من تفكيكها باستمرار.