كيف تفاقم خوارزميات التوظيف الآلية نقص العمالة العالمي في الخفاء
٢٨ مارس ٢٠٢٦

لسنوات، تعلّق المسؤولون التنفيذيون في الشركات بوعود برمجيات التوظيف الآلية، إيماناً منهم بأن الخوارزميات المتطورة قادرة على فرز أكوام من السير الذاتية في لمح البصر للعثور على المرشح المثالي. والافتراض السائد هو أن التكنولوجيا تضفي كفاءة لا مثيل لها على عملية بشرية فوضوية، بحيث تربط الموهبة المناسبة بالدور المناسب بسرعة غير مسبوقة. ومع ذلك، تشهد إدارات الموارد البشرية في مشهد الأعمال العالمي نقصاً مزمناً في الكفاءات ووظائف شاغرة لا تجد من يشغلها. وبدلاً من أن تكون هذه الأنظمة بمثابة جسر يربط بين أصحاب العمل والمرشحين المتحمسين، تحولت أنظمة التوظيف الآلية بهدوء إلى جدران منيعة، تستبعد بشكل منهجي ملايين العمال الأكفاء قبل أن تقع عين أي إنسان على طلبات توظيفهم.
إن حجم هذا الإقصاء التكنولوجي مذهل حقاً. ففي دراسة بارزة أجريت عام 2021، حدد باحثون في كلية هارفارد للأعمال شريحة متزايدة أطلقوا عليها اسم "العمال المخفيين". وكشفت بياناتهم أنه في الولايات المتحدة وحدها، يتم استبعاد أكثر من 27 مليون شخص -مستعدين وراغبين في العمل- بشكل روتيني من قبل أنظمة تتبع المتقدمين للوظائف. وتستخدم هذه المنصات الرقمية، التي تعتمد عليها تقريباً جميع الشركات المدرجة في قائمة "فورتشن 500"، معايير فرز صارمة ترفض المرشحين تلقائياً بسبب تفاصيل بسيطة مثل وجود فجوة انقطاع عن العمل لمدة ستة أشهر أو غياب كلمة مفتاحية دقيقة جداً. ومن خلال التركيز على إيجاد التطابق الأسهل، تتسبب خوارزميات الشركات عملياً في حجب رؤية أصحاب العمل عن شريحة هائلة من القوى العاملة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الاقتصاد الأمريكي وحده؛ فقد لاحظ خبراء اقتصاد العمل في المملكة المتحدة وجميع أنحاء الاتحاد الأوروبي أنماطاً مشابهة، حيث تعاقب "حراس البوابات الرقمية" مسارات العمل غير التقليدية. وتؤكد الأبحاث الصادرة عن شركات التوظيف متعددة الجنسيات باستمرار أنه على الرغم من وصول نقص الكفاءات العالمية إلى مستويات تاريخية خلال العقد الماضي، إلا أن مجموعة الباحثين النشطين عن عمل لم تتقلص بشكل تناسبي. ويكمن الانفصال الحقيقي داخل البرمجيات نفسها. ففي أواخر العقد الماضي، عندما كان سوق العمل الألماني في حاجة ماسة إلى عمال فنيين، وجد المحللون أن آلاف المرشحين الأكفاء الحاصلين على تدريب مهني حيوي تم استبعادهم على الفور بواسطة أنظمة مبرمجة لقبول الشهادات الجامعية التقليدية فقط.
ويكمن السبب الجذري لهذا القصور الهائل في طريقة تصميم هذه الخوارزميات ونشرها. إذ تُبنى معظم برمجيات توظيف الشركات على مبدأ دفاعي. وبدلاً من هندستها لاكتشاف المواهب الخام أو تحديد المهارات القابلة للنقل، تتم برمجة هذه الأنظمة لاستبعاد المرشحين، وتقليص آلاف الطلبات إلى عدد قليل يسهل إدارته من قبل مسؤولي التوظيف المنهكين. ولتحقيق ذلك، تُدخل الشركات متطلبات محددة للغاية، وغالباً ما تكون غير واقعية، حيث تشترط تطابقاً تاماً في المسميات الوظيفية، وتاريخاً وظيفياً متصلاً دون انقطاع، وخلفيات تعليمية معينة. وإذا أخذ مدير ذو كفاءة عالية إجازة لمدة عام لرعاية أسرته، فإن البرنامج لا يعترف بالولاء أو المرونة، بل يصنف ببساطة هذه الفجوة الوظيفية على أنها خطر غير مقبول ويحذف السيرة الذاتية من قائمة الانتظار النشطة. فالخوارزمية لا تفهم سوى القواعد الثنائية التي وضعها مبرمجون غالباً ما يكونون معزولين تماماً عن الاحتياجات اليومية الفعلية لبيئة العمل.
وتمتد عواقب هذا الاعتماد المفرط على الأتمتة الصارمة إلى ما هو أبعد من قسم الموارد البشرية. فبالنسبة للشركات، يتمثل التأثير المباشر في بقاء الوظائف شاغرة لفترات طويلة، مما يضر بالإنتاجية بشكل مباشر ويخنق الابتكار المؤسسي. وتُضطر فرق العمل إلى تحمل أعباء عمل أثقل لتعويض الوظائف الشاغرة، مما يؤدي إلى إرهاق واسع النطاق وارتفاع في معدلات دوران الموظفين، وهو ما يغذي بدوره خوارزميات التوظيف بمزيد من المتطلبات التعجيزية. وعلى نطاق اقتصادي أوسع، تخلق هذه الديناميكية طبقة دنيا دائمة من المواطنين ذوي الكفاءة العالية ولكنهم يعانون من البطالة المقنعة أو نقص التشغيل المزمن. وعندما يتم استبعاد الأفراد المؤهلين مراراً وتكراراً من سوق العمل بواسطة برمجيات لا تفكر، تخسر الاقتصادات إنتاجاً محتملاً هائلاً، ويصاب الإنفاق الاستهلاكي بالركود. كما أن التأثير النفسي على العمال أنفسهم -الذين يرسلون مئات الطلبات إلى فراغ رقمي دون تلقي أي ردود- يولد إحباطاً مجتمعياً عميقاً.
وتتطلب معالجة هذه الأزمة -التي صنعتها الشركات بنفسها- تحولاً جذرياً في طريقة تعامل الشركات مع استقطاب المواهب. إذ يجب على قادة الشركات الانتقال من التوظيف القائم على المؤشرات الشكلية -والذي يعتمد على علامات صارمة مثل الشهادات والتسلسل الزمني المتصل- إلى التقييم القائم على المهارات. ويعني هذا إعادة برمجة البرمجيات فعلياً لتقبل المرشحين بدلاً من استبعادهم. وقد بدأت بالفعل المؤسسات ذات التفكير الاستشرافي في إثبات جدوى هذا النموذج. ففي السنوات الأخيرة، أسقطت شركات كبرى مثل "آي بي إم" والعديد من حكومات الولايات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بما في ذلك ماريلاند وبنسلفانيا، رسمياً شرط الحصول على درجة البكالوريوس لآلاف الأدوار الإدارية والفنية. ومن خلال تغيير فلاترها الرقمية للتركيز على المهارات الملموسة والكفاءات الفعلية، شهدت هذه المنظمات على الفور طفرة في المتقدمين ذوي الجودة العالية الذين كانوا مخفيين في السابق بسبب الإعدادات الافتراضية.
وإلى جانب تعديل البرمجيات، يجب على الشركات إعادة إدخال التقييم البشري في المراحل الأولى من مسار التوظيف. وينبغي استخدام التكنولوجيا لتعزيز عملية التوظيف، ربما من خلال إبراز السير الذاتية غير التقليدية التي تظهر إمكانات يمكن الاستفادة منها عبر قطاعات مختلفة، بدلاً من أن تعمل كجلاد أعمى. ويحتاج مسؤولو الموارد البشرية إلى الصلاحية لإلغاء الرفض الآلي، وإلى الوقت الكافي لإعادة كتابة التوصيفات الوظيفية بحيث تعكس المهام اليومية الفعلية للوظيفة، بدلاً من كونها قائمة أمنيات من المؤهلات المستحيلة. ومن خلال توسيع معايير البحث، يمكن للشركات الاستفادة من فئات ديموغرافية مُتجاهلة، بما في ذلك المحاربين القدامى الذين ينتقلون إلى الحياة المدنية، والآباء العائدين إلى القوى العاملة، والمهنيين العصاميين الذين يمتلكون دافعاً كبيراً للعمل.
إن الاقتصاد العالمي الحديث يتحرك بسرعة أكبر بكثير من أن يعتمد على نماذج توظيف صارمة ورجعية. وفي حين أن الأتمتة توفر جاذبية الكفاءة بلا شك، إلا أن الكفاءة تصبح عديمة الفائدة تماماً إذا كانت تؤدي باستمرار إلى النتيجة الخاطئة. ويمثل الاستبعاد المنهجي لملايين العمال المتحمسين والأكفاء أحد أكبر الأخطاء غير المبررة في إدارة الأعمال المعاصرة. وإذا كانت الشركات تأمل في النجاة من التحولات الديموغرافية وقيود العمل في العقود القادمة، فيجب عليها هدم الجدران الرقمية التي بنتها حول نفسها. فالمرونة المؤسسية الحقيقية لن تأتي من خوارزمية أكثر مثالية، بل من رغبة متجددة في الاعتراف بالواقع البشري المليء بالتفاصيل الحيوية، وتقييمه، والاستثمار فيه.