شيخوخة البنية التحتية للطاقة في العالم: أزمة وشيكة بتكلفة تريليونات الدولارات
٢٩ مارس ٢٠٢٦

يهيمن الحديث عن المستقبل على الحوار العالمي بشأن الطاقة. فنحن نتحدث باستمرار عن بناء مزارع طاقة شمسية جديدة، ومفاعلات نووية من الجيل القادم، ومصفوفات ضخمة من توربينات الرياح البحرية. لكن هذا التركيز الشديد على البناء يحجب تحدياً آخر أكثر هدوءاً وتعقيداً يقترب بسرعة، وهو المهمة الهائلة المتمثلة في تفكيك عالم الطاقة القديم. فمن منصات النفط الصدئة في بحر الشمال إلى الجيل الأول من توربينات الرياح التي انتهى عمرها الافتراضي، يعاني نظام الطاقة العالمي من الشيخوخة، وقد حان وقت سداد فاتورة إزالته بشكل مسؤول. هذه ليست مشكلة بعيدة، بل هي أزمة تفكيك منشآت ستكلف تريليونات الدولارات، ونحن غير مستعدين لمواجهتها إلى حد كبير.
إن حجم المهمة هائل. فقد خلفت صناعة الوقود الأحفوري، التي غذت القرن العشرين، وراءها تركة من البنية التحتية التي يجب تفكيكها بأمان. على الصعيد العالمي، هناك آلاف من منصات النفط والغاز البحرية وملايين الآبار البرية التي ستحتاج في النهاية إلى السد والإزالة. وسلط تقرير صدر عام 2021 عن وكالة الطاقة الدولية الضوء على الالتزامات الهائلة، لا سيما في المناطق القديمة مثل بحر الشمال، حيث من المتوقع أن تتجاوز تكاليف إزالة المنشآت 100 مليار دولار. وعندما يتم التخلي عن الآبار بشكل غير صحيح، يمكن أن تسرب غاز الميثان، وهو أحد غازات الدفيئة القوية، وغيره من الملوثات إلى التربة والمياه لعقود. ويكمن الخطر في أنه مع تراجع ربحية الحقول، قد تفلس الشركات، تاركة دافعي الضرائب يتحملون فاتورة التنظيف.
هذا التحدي لا يقتصر على النفط والغاز. فصناعة الطاقة النووية تواجه أيضاً موجة من عمليات الإيقاف. العشرات من المفاعلات التي بنيت في السبعينيات والثمانينيات تقترب من نهاية عمرها التشغيلي. ويعد تفكيك محطة طاقة نووية أحد أكثر المشاريع الهندسية تعقيداً وتكلفة في العالم، وغالباً ما يستغرق عقوداً ويكلف أكثر من مليار دولار للمنشأة الواحدة. وتنفق دول مثل ألمانيا والمملكة المتحدة بالفعل مبالغ طائلة لتفكيك أساطيلها النووية من الجيل الأول بأمان، وهي عملية تتضمن التعامل مع النفايات المشعة بحذر شديد وتأمين المواقع لقرون قادمة.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن قطاع الطاقة المتجددة بدأ يواجه مشكلة نهاية العمر الافتراضي الخاصة به. فالجيل الأول من توربينات الرياح والألواح الشمسية، التي تم تركيبها في التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين، يقترب الآن من نهاية عمره الافتراضي الذي يتراوح بين 20 و30 عاماً. وفي حين يمكن إعادة تدوير العديد من مكونات الألواح الشمسية، فإن العملية ليست مجدية اقتصادياً بعد على نطاق واسع. أما شفرات توربينات الرياح فتمثل تحدياً أكبر، فهي مصنوعة من مواد مركبة يصعب تفكيكها وتتطلب تكلفة باهظة، مما يؤدي إلى تزايد أعداد الشفرات التي تُدفن في مكبات النفايات. ويقدر الباحثون أنه بحلول عام 2050، قد يضطر العالم إلى التخلص من أكثر من 70 مليون طن متري من نفايات الألواح الشمسية و40 مليون طن من شفرات التوربينات. وهذا يقوض مفهوم "الطاقة النظيفة" من أساسه إذا كانت نهاية دورتها تخلق عبئاً بيئياً كبيراً خاصاً بها.
السبب الكامن وراء هذه الأزمة التي تلوح في الأفق هو مزيج من الإخفاقات في التخطيط المالي والفجوات التكنولوجية. على مدى عقود، خصصت العديد من شركات الطاقة أموالاً غير كافية لعمليات التفكيك، وغالباً ما قللت من تقدير التكاليف المستقبلية. وكانت اللوائح التنظيمية في كثير من الأحيان متساهلة للغاية، مما سمح للشركات بتأجيل التزاماتها أو نقلها إلى شركات أصغر وأقل استقراراً. وهذا يخلق خطراً أخلاقياً حيث تكون الأرباح خاصة، بينما تقع تكاليف التنظيف على عاتق المجتمع. علاوة على ذلك، كان ابتكارنا منحازاً بشدة نحو بناء الأشياء، وليس تفكيكها. فنحن نفتقر إلى عمليات صناعية قوية وفعالة من حيث التكلفة لإعادة تدوير المواد المعقدة مثل شفرات التوربينات أو لتفكيك معدات الحفر في أعماق البحار بأمان.
إن عواقب التقاعس عن العمل وخيمة. فمن الناحية البيئية، يمكن للبنية التحتية المهجورة أن تسرب الملوثات إلى النظم البيئية لأجيال. ومن الناحية الاقتصادية، ستقع التكلفة في النهاية على عاتق الجمهور، مما يحول الأموال التي كان يمكن استخدامها للرعاية الصحية أو التعليم أو بناء الجيل القادم من الطاقة النظيفة. كما أنه يقوض ثقة الجمهور. فإذا رأى الناس مواقع الطاقة القديمة تترك لتتحلل، فسيكونون أكثر تشككاً بكثير تجاه المشاريع الجديدة، مما قد يبطئ من وتيرة التحول في مجال الطاقة نفسه. وسيسأل الناس عن حق: إذا لم تتمكنوا من تنظيف مشروعكم الأخير، فلماذا نثق بكم في مشروع جديد؟
تتطلب معالجة هذه المشكلة تحولاً جوهرياً في كيفية تعاملنا مع مشاريع الطاقة. يجب أن يبدأ الحل بلوائح مالية أقوى. فيجب على الحكومات أن تفرض على جميع شركات الطاقة، سواء كانت تعمل بالوقود الأحفوري أو الطاقة المتجددة، تقديم ضمانات مالية ممولة بالكامل لعمليات الإزالة قبل أن يبدأ المشروع. وهذا يضمن أن أموال التنظيف مؤمّنة منذ اليوم الأول، بغض النظر عن الوضع المالي للشركة في المستقبل. ثانياً، يجب أن نطلق ثورة في الاقتصاد الدائري في قطاع الطاقة. هناك حاجة إلى استثمار عام وخاص في البحث والتطوير لابتكار طرق جديدة لإعادة تدوير وإعادة استخدام المواد من الألواح الشمسية والبطاريات وتوربينات الرياح القديمة. وتجري بعض الشركات المبتكرة بالفعل تجارب لتحويل الشفرات القديمة إلى أسمنت أو جسور للمشاة، لكن هذه الجهود تحتاج إلى التوسع على نطاق واسع.
في النهاية، يجب أن ندرك أن دورة حياة مشروع الطاقة لا تنتهي عندما يتوقف عن إنتاج الكهرباء. فالتحول في مجال الطاقة لا يقتصر على الإضافة فحسب، بل يشمل الإزالة أيضاً. إن تفكيك البنية التحتية للماضي بشكل مسؤول لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية للمستقبل. إن تكاليف عملية التفكيك العظيمة هذه ليست اختيارية، بل هي دين في أعناق الأجيال القادمة. وستكون الطريقة التي ندير بها هذه العملية هي الاختبار الحقيقي لالتزامنا بنظام طاقة مستدام ومرن.