عودة الطاقة النووية المفاجئة تجبر العالم على إعادة تقييم صعبة
٢٨ مارس ٢٠٢٦

لعقود طويلة، بدا أن الطاقة النووية في طريقها لتصبح جزءاً من الماضي. فقد أدى شبح كوارث مثل تشيرنوبل وفوكوشيما، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة ومشكلة النفايات المشعة التي لم تجد حلاً، إلى تهميش هذه التكنولوجيا في النقاش العام. وكثيراً ما كان يُنظر إليها على أنها من بقايا القرن العشرين، حلٌ قوي لاحتياجاتنا من الطاقة ولكنه معيب بشكل قاتل. لكن، بهدوء ثم بشكل مفاجئ، بدأ تحول عالمي. واليوم، تشهد الطاقة النووية عودة قوية تجبر العالم على إعادة تقييم عميقة وصعبة.
هذا التحول ليس مجرد توجه نظري، فالأدلة عليه ملموسة ومتزايدة. فوفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، يجري حالياً بناء أكثر من 60 مفاعلاً نووياً في 17 دولة، وتقود الصين هذا التوسع بقوة. كما أن هناك عشرات المفاعلات الأخرى لا تزال في مراحل التخطيط. وفي أوروبا، بدأت الدول تتراجع عن سياسات تبنتها لوقت طويل. فقد أعلنت فرنسا، الرائدة تاريخياً في المجال النووي، عن خطط لبناء أسطول جديد من المفاعلات لتأمين مستقبلها في مجال الطاقة. كما بدأت اليابان في إعادة تشغيل محطات أغلقتها بعد كارثة فوكوشيما. حتى في ألمانيا، التي التزمت بالتخلص التدريجي الكامل من الطاقة النووية، عاد النقاش ليحتدم من جديد وسط مخاوف بشأن استقرار الطاقة. ويشير هذا التحول العالمي إلى إعادة تقييم جوهرية لواحدة من أكثر التقنيات إثارة للجدل.
تقف وراء هذه العودة أزمتان قويتان ومترابطتان. الأزمة الأولى هي الضغط المتواصل الناتج عن تغير المناخ. فعلى الرغم من أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تتوسعان بوتيرة قياسية، إلا أن طبيعتهما المتقطعة تمثل تحدياً أساسياً لاستقرار شبكة الكهرباء. فالشمس لا تشرق دائماً، والرياح لا تهب باستمرار. وتحتاج الاقتصادات الحديثة إلى إمداد ثابت وموثوق من الكهرباء، يُعرف باسم "طاقة الحمل الأساسي". ومع سعي الدول لإزالة الكربون من شبكاتها، تكتشف أن الطاقة النووية هي المصدر الوحيد الخالي من الكربون القادر على توفير هذه الطاقة الهائلة على مدار الساعة، بغض النظر عن حالة الطقس. فهي توفر أساساً متيناً يمكن بناء شبكة تعتمد بشكل كبير على الطاقة المتجددة عليه.
أما الدافع الثاني فهو الواقع القاسي للجيوسياسة. فقد أرسل الغزو الروسي لأوكرانيا موجة صدمة عبر أسواق الطاقة العالمية، كاشفاً عن نقاط الضعف الخطيرة للاعتماد على واردات الوقود الأحفوري المتقلبة. وبالنسبة للعديد من الدول، أصبح الاعتماد على الغير في مجال الطاقة مسألة أمن قومي. وفجأة، لم تعد القدرة على توليد كميات هائلة من الطاقة من كمية صغيرة من الوقود الخاضع للسيطرة المحلية مجرد خيار تقني، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. توفر الطاقة النووية طريقاً نحو السيادة في مجال الطاقة لا يمكن إلا لعدد قليل من المصادر الأخرى أن يضاهيه، مما يحمي الدول من تقلبات تكتلات الطاقة الدولية والصراعات الجيوسياسية.
لكن هذا الاهتمام المتجدد لا يمحو التحديات الكامنة في هذه التكنولوجيا. فالتكلفة الهائلة والوقت الطويل اللازمان لبناء محطات نووية تقليدية ضخمة لا يزالان يشكلان عائقاً كبيراً. على سبيل المثال، اكتمل بناء المفاعلين الجديدين في محطة "فوغت" لتوليد الكهرباء بولاية جورجيا الأمريكية بعد سنوات من التأخير وبتجاوز للميزانية بأكثر من 16 مليار دولار. وغالباً ما تكون هذه المخاطر المالية أكبر من أن تتحملها الأسواق الخاصة وحدها، مما يتطلب دعماً حكومياً ضخماً ويضع عبئاً ثقيلاً على دافعي الضرائب. هذا الواقع الاقتصادي يجعل الخيار النووي اقتراحاً صعباً للعديد من الدول النامية التي هي في أمس الحاجة إلى الطاقة النظيفة.
علاوة على ذلك، لا تزال مسألة كيفية التعامل مع الوقود النووي المستهلك - الذي يظل مشعاً لآلاف السنين - غير محسومة سياسياً إلى حد كبير. ورغم أن المهندسين قد طوروا حلول تخزين آمنة طويلة الأمد، مثل مستودع "أونكالو" الجيولوجي العميق في فنلندا، إلا أن عدداً قليلاً جداً من الدول تمكن من بناء الإجماع الشعبي والسياسي اللازم لتنفيذها. فبدون خطة واضحة وموثوقة للتعامل مع النفايات، تظل المعارضة الشعبية عقبة قوية، تغذيها مخاوف مشروعة بشأن السلامة والإرث البيئي.
لمواجهة هذه التحديات، يعلق قطاع الصناعة النووية آماله على جيل جديد من التكنولوجيا، وهي "المفاعلات النمطية الصغيرة" (SMRs). وهي مفاعلات أصغر حجماً وأبسط تصميماً، يُصنع معظمها في المصانع ثم تُجمَّع في الموقع. من الناحية النظرية، يمكن لهذا النهج أن يقلل بشكل كبير من أوقات البناء ويخفض التكاليف ويحسن السلامة من خلال أنظمة تبريد سلبية لا تتطلب تدخلاً بشرياً. يتصور المؤيدون أن هذه المفاعلات ستزود الصناعات الثقيلة والمجتمعات النائية بالطاقة، بل وستُستخدم لإنتاج الهيدروجين. ورغم أن العديد من التصاميم في طريقها للحصول على الموافقات التنظيمية، إلا أن هذه المفاعلات لا تزال تقنية غير مُثبتة تجارياً إلى حد كبير، وقدرتها على الوفاء بوعودها لم تتضح بعد.
في النهاية، ليست عودة الطاقة النووية مجرد قصة انتعاش تكنولوجي، بل هي قصة عن خيارات العالم الآخذة في التقلص في مواجهة أزمات وجودية. يجد المجتمع الدولي نفسه في معضلة ثلاثية، فهو مضطر للموازنة بين الحاجة الملحة لطاقة خالية من الكربون والأمن القومي من جهة، والمخاطر المالية والبيئية ومخاطر السلامة العميقة للخيار النووي من جهة أخرى. لا توجد إجابات سهلة. فالخيارات التي ستُتخذ في هذا العقد - سواء بالاستثمار في التصاميم الحالية، أو انتظار تقنيات جديدة، أو التخلي عن الخيار النووي بالكامل - سترسم ملامح البنية التحتية للطاقة لدينا للقرن القادم. لقد استيقظ عملاق العصر الذري الصامت، ونجد أنفسنا جميعاً مجبرين على تقرير ما سنفعله به.