لماذا تخفي أزمة المياه العالمية وراءها أزمة طاقة؟

٢٨ مارس ٢٠٢٦

لماذا تخفي أزمة المياه العالمية وراءها أزمة طاقة؟

عندما يتخيل الناس موجة جفاف حادة أو نضوب مخزون المياه الجوفية، فإنهم يفترضون فوراً أن البشرية بدأت تعاني من نقص المياه. وتهيمن صور مجاري الأنهار المتشققة والشواطئ المتراجعة على الخيال العام، وتصور الأزمة على أنها فشل مؤسف للطبيعة. لكن الأرض في جوهرها كوكب أزرق، وتحتوي على وفرة هائلة من المياه. ما ينفد منا في الحقيقة هو الطاقة الرخيصة والمتوفرة اللازمة لجعل تلك المياه صالحة للشرب. فأزمة المياه العالمية التي يكثر الحديث عنها هي، في جوهرها، أزمة طاقة خفية.

عندما يفتح الناس صنبوراً جافاً، يتخيلون بشكل طبيعي أرضاً قاحلة، لكن نادراً ما يفكرون في محطات الطاقة والمحطات الكهربائية الفرعية. ومع ذلك، فإن اللجوء إلى المحيطات لحل مشكلة نقص المياه في المدن يعني ربط بقاء المجتمعات بشكل مباشر بشبكة الكهرباء. ومع تزايد أعداد السكان وتضاؤل الاعتماد على مصادر المياه العذبة الطبيعية، أصبحت العملية الصناعية لإنتاج المياه النظيفة من البحر، وبهدوء، واحدة من أكثر المهام استهلاكاً للطاقة على كوكب الأرض.

الحقائق الإحصائية لهذا التحول مذهلة. وفقاً لتقييمات تاريخية من وكالة الطاقة الدولية، يستهلك قطاع المياه العالمي حصة ضخمة وسريعة التزايد من استهلاك الكهرباء في العالم. في الشرق الأوسط، حيث المياه الجوفية الطبيعية نادرة للغاية، أصبحت هذه المعادلة بالفعل سمة مميزة لاقتصاد المنطقة. ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، يذهب جزء كبير من استهلاك البلاد المحلي من النفط والغاز الطبيعي مباشرة لتوليد الكهرباء والحرارة اللازمتين لتشغيل آلاف محطات تحلية المياه على طول سواحلها. وتُحرق ملايين براميل الوقود الأحفوري يومياً ليس لغرض النقل أو التصدير العالمي المربح، بل ببساطة لضمان استمرار تدفق المياه في صنابير المدن الصحراوية الداخلية مثل الرياض.

لم يعد هذا الاعتماد الشديد على الطاقة مقتصراً على ممالك الشرق الأوسط القاحلة. فمع نضوب خزانات المياه الجوفية التقليدية في جميع أنحاء العالم، تتجه الحكومات المحلية من البحر الأبيض المتوسط إلى غرب أمريكا بشكل متزايد لبناء محطات تحلية ساحلية تكلف مليارات الدولارات. وتتطلب محطة كارلسباد لتحلية المياه في جنوب كاليفورنيا، وهي واحدة من أكبر المنشآت من نوعها في نصف الكرة الغربي، كميات هائلة من الميغاواط الكهربائية يومياً لتشغيلها. وهذا الطلب الهائل يجعل إنتاج المياه للمدن أحد أكبر المستهلكين الصناعيين للكهرباء في المنطقة بأكملها، مما يغير بشكل دائم متطلبات الحمل الأساسي لشبكة الكهرباء المحلية.

لماذا يتطلب إنتاج كوب من الماء العذب كل هذه الكمية الهائلة من الطاقة؟ يكمن الجواب في فيزياء التناضح العكسي والتقطير الحراري التي لا يمكن التحايل عليها. فلإزالة جزيئات الملح المذابة من مياه البحر، يجب ضخ المياه بقوة عبر أغشية مجهرية شبه منفذة وملفوفة بإحكام. وتتطلب هذه العملية الصناعية ضغطاً هائلاً لا يمكن توليده إلا بواسطة مضخات صناعية ضخمة وعالية الضغط يجب أن تعمل باستمرار دون توقف. كبديل لذلك، تقوم محطات التحلية الحرارية القديمة بغلي مياه المحيط حرفياً لالتقاط البخار، وهي طريقة بدائية تتطلب كميات هائلة من الحرارة الخام. لا يمكن لأي من الطريقتين التحايل على القوانين الأساسية للديناميكا الحرارية، ففصل الروابط الكيميائية بشكل دائم يتطلب استهلاكاً كبيراً ومستمراً للطاقة.

علاوة على ذلك، لا ينتهي استهلاك الطاقة بمجرد إزالة الملح. فنقل هذه المياه الثقيلة، التي تمت تنقيتها حديثاً، من محطات الإنتاج الساحلية إلى السكان في المناطق الداخلية يتطلب شبكة واسعة من محطات الضخ عالية السعة. إن رفع ملايين الجالونات من المياه فوق سلاسل الجبال أو دفعها عبر مئات الأميال من الأراضي المنبسطة يضيف طبقة ثانية كاملة من الطلب الشديد على الكهرباء. فالماء ثقيل بشكل لا يصدق، ومقاومة الجاذبية على مستوى المدن تتطلب تدفقاً ثابتاً وغير منقطع للكهرباء عالية الجهد.

عواقب هذا الاعتماد المتزايد متعددة الأوجه وخطيرة للغاية. فبربط إمدادات المياه الأساسية للمدن بشبكة الكهرباء الإقليمية، تخلق المدن نقطة ضعف خفية ومتفاقمة. أي عطل في البنية التحتية للطاقة، سواء بسبب طقس قاسٍ أو نقص في إمدادات الوقود، يتحول فجأة إلى أزمة صحة عامة فورية، حيث إن انقطاع التيار الكهربائي يعني مباشرة انقطاع المياه عن المدينة. إضافة إلى ذلك، فإن العبء الاقتصادي الذي يقع على عاتق الحكومات المحلية هائل. ولأن تحلية المياه تعتمد بشكل كبير على الأسعار المتقلبة للنفط والغاز الطبيعي والكهرباء، فإن التكلفة الأساسية لبقاء الإنسان تصبح مرتبطة بشكل دائم بأسواق الطاقة العالمية المتقلبة.

هناك أيضاً حلقة مفرغة ومفارقة مأساوية في هذه المعادلة. فأنظمة توليد الطاقة التقليدية، خاصة محطات الفحم والطاقة النووية والغاز الطبيعي، تتطلب كميات هائلة من المياه العذبة لتبريد توربيناتها البخارية. وبالتالي، بينما تبني المجتمعات المزيد من محطات الطاقة لتوليد الكهرباء التي تحتاجها بشدة لتحلية المياه، تستهلك هذه المحطات نفسها جزءاً كبيراً من المياه المنتجة حديثاً. إنها حلقة مفرغة محبطة في البنية التحتية تلتهم مكاسبها باستمرار، مما يترك ميزانيات المدن تحت ضغط دائم ومشغلي الشبكات في سباق مستمر لتلبية الطلب.

يتطلب كسر هذه الحلقة المفرغة تحولاً جوهرياً في كيفية تخطيط الحكومات لملفات الطاقة والمياه ودمجها معاً. يكمن الحل الأكثر فورية وعملية في إعادة تدوير مياه الصرف الصحي بشكل مكثف. وكثيراً ما يشير محللو البنية التحتية إلى سنغافورة كقصة نجاح نموذجية في هذا المجال. تعالج هذه الدولة الجزيرة مياه الصرف الصحي في المدن بشكل شامل وتعيد تنقيتها لتصل إلى معايير مياه الشرب الآمنة، في عملية عالية التقنية تُعرف محلياً باسم "نيو ووتر". ولأن المياه المعاد تدويرها خالية إلى حد كبير من أملاح البحر الثقيلة، فإن عملية التنقية لا تتطلب سوى جزء صغير من الطاقة الكهربائية المكثفة اللازمة لتحلية مياه البحر الخام.

في المناطق التي لا يمكن فيها تجنب تحلية مياه البحر، يجب فصل العملية تقنياً عن شبكات الوقود الأحفوري التقليدية. بدأت المشاريع التجريبية في المناطق الساحلية القاحلة تنجح في ربط محطات التناضح العكسي بمصفوفات شمسية مخصصة ومجاورة لها، مما يضمن تلبية استهلاك الطاقة الكبير لإنتاج المياه من خلال توليد محلي ومتجدد بدلاً من الوقود المستورد. بالإضافة إلى ذلك، تقدم التطورات الواعدة في علم المواد، مثل تطوير أغشية تحاكي البروتينات عالية الكفاءة في ترشيح المياه الموجودة في جذور النباتات والكلى البشرية، مساراً ممكناً لخفض الضغط بشكل كبير، وبالتالي خفض الكهرباء اللازمة لترشيح مياه البحر.

في النهاية، يجب على صانعي السياسات والجمهور التوقف عن النظر إلى شبكات الطاقة الكهربائية وأنظمة المياه في المدن باعتبارها مجالات مدنية منفصلة تماماً. إن وهم توفر مياه الصنبور بوفرة في العصر الحديث كان دائماً مدعوماً بهدوء بوفرة الطاقة الكهربائية. ومع تزايد عدد السكان وشح الموارد العالمية، فإن الاعتراف بالتكلفة الهائلة للطاقة في كل قطرة ماء نشربها هو الخطوة الحيوية الأولى نحو تأمين مستقبل كلا القطاعين. فبدون إتقان هذه المعادلة المعقدة للطاقة، ستظل المحيطات من حولنا شاسعة ومغرية، لكن مياهها غير صالحة للشرب على الإطلاق.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Energy