لماذا تهدر شبكات الطاقة ملايين الميغاوات من الطاقة النظيفة؟

٢٨ مارس ٢٠٢٦

لماذا تهدر شبكات الطاقة ملايين الميغاوات من الطاقة النظيفة؟

عندما تبدأ توربينة رياح جديدة بالدوران في ظهيرة عاصفة، أو تمتص مصفوفة شمسية ضخمة أشعة شمس الصيف في منتصف النهار، يفترض الجمهور عمومًا أن الكهرباء النظيفة المولدة تتدفق فورًا إلى المنازل، مما يعوض الحاجة إلى حرق الفحم أو الغاز الطبيعي. والاعتقاد السائد هو أن التحول عن الوقود الأحفوري يمثل مشكلة إنتاج بحتة، أي مجرد مسألة بناء ما يكفي من محطات الطاقة المتجددة لتحل محل المحطات القديمة الملوثة. ومع ذلك، تتكشف أزمة صامتة وغير بديهية في جميع أنحاء العالم. إذ يتم إيقاف تشغيل بعض مشاريع الطاقة المتجددة الأكثر طموحًا بشكل متعمد، وتُهدر طاقتها النظيفة في الهواء. وتُجبر شبكات الطاقة بشكل روتيني على فصل هذه المصادر الخضراء في اللحظات ذاتها التي تنتج فيها أكبر قدر من الكهرباء، مما يكشف عن فشل ذريع في طريقة إدارة أنظمة الطاقة الحديثة.

تنمو هذه الظاهرة، المعروفة باسم "التقليص"، بمعدل ينذر بالخطر في المناطق التي كانت في طليعة مناصري الطاقة المتجددة. وتكشف بيانات مشغل النظام المستقل في كاليفورنيا، الذي يدير شبكة الكهرباء للولاية الأمريكية الأكبر من حيث عدد السكان، أن الملايين من ميغاوات/ساعة من طاقتي الرياح والشمس يتم تقليصها كل عام. وفي المملكة المتحدة، كثيرًا ما يدفع مشغلو الشبكات لمزارع الرياح في اسكتلندا لوقف توليد الكهرباء عندما تهب الرياح بأقصى قوة، وفي الوقت نفسه يدفعون لمحطات الغاز في إنجلترا للعمل وتلبية الطلب المحلي. وتشير الدراسات التي تتتبع البنية التحتية العالمية للطاقة إلى أن الآلاف من مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مستوى المرافق عالقة حاليًا في حالة من الجمود البيروقراطي تُعرف باسم "طابور الربط". ووجد بحث صادر عن مختبر لورانس بيركلي الوطني أن حجم سعة الكهرباء التي تنتظر ربطها بشبكة الولايات المتحدة قد نما ليتجاوز السعة الإجمالية لجميع محطات الطاقة الحالية العاملة. ويثبت هذا الجبل من الطاقة النظيفة المعطلة أن التوليد لم يعد العقبة الأساسية في التحول العالمي للطاقة.

يكمن السبب الجذري لهذا الهدر الهائل تحت الأرض وعبر الأبراج المعدنية، مختبئًا في البنية المتهالكة لشبكة الكهرباء. إذ يجب استهلاك الكهرباء لحظة توليدها ما لم يتم تخزينها، وقد صُممت الغالبية العظمى من شبكات الطاقة لدينا في القرن العشرين لنموذج طاقة مختلف تمامًا. تاريخيًا، بُنيت محطات الفحم أو الغاز أو الطاقة النووية المركزية الضخمة بالقرب نسبيًا من المراكز السكانية، وتدفقت الطاقة في اتجاه واحد يمكن التنبؤ به نحو المستهلكين. أما الطاقة المتجددة، فهي تعتمد على الموقع الجغرافي. فالرياح الأقوى تهب عبر السهول النائية والمياه البحرية، بينما تضرب أشعة الشمس الأكثر كثافة الصحاري القاحلة. ويتطلب الاستفادة من هذه الطاقة نقلها عبر مسافات شاسعة. لسوء الحظ، فإن خطوط النقل عالية الجهد اللازمة لنقل الكهرباء من مزارع الطاقة الخضراء النائية إلى المدن المتعطشة للطاقة لا تتوفر بأعداد كافية. علاوة على ذلك، يُعرف بناء بنية تحتية جديدة للنقل بصعوبته البالغة، حيث يتطلب غالبًا عقدًا من الزمان أو أكثر للتعامل مع قوانين تقسيم المناطق المحلية المجزأة، ومراجعات الأثر البيئي، ومعارضة السكان المحليين.

وتمتد عواقب فشل النقل هذا لتؤثر على الاقتصاد والبيئة، مما يقوض بشكل خطير الأهداف المناخية العالمية. ففي كل مرة يتم فيها تقليص عمل محطة طاقة شمسية بسبب امتلاء الأسلاك المحلية، يجب على مشغلي الشبكة التعويض عن ذلك بتشغيل محطات الوقود الأحفوري الأقرب إلى المناطق التي تُحتاج فيها الكهرباء فعليًا. ويجبر هذا الواقع المادي المجتمعات على الاستمرار في إطلاق غازات الاحتباس الحراري حتى عندما تتوفر وفرة من الطاقة النظيفة في مكان قريب. وبعيدًا عن الأضرار البيئية، يُحدث هذا التقليص تأثيرًا مثبطًا على الجدوى المالية للبنية التحتية الخضراء المستقبلية. إذ يعتمد مطورو الطاقة على بيع الكهرباء التي ينتجونها لتسديد التكاليف الرأسمالية الضخمة لبناء مزارع الرياح والطاقة الشمسية. وعندما يُجبرون بانتظام على إيقاف تشغيل معداتهم، تتبخر إيراداتهم. وهذا الانعدام في القدرة على التنبؤ المالي يثبط الاستثمارات المستقبلية، مما يخلق حلقة مفرغة حيث يؤدي العجز عن إيصال الطاقة النظيفة إلى عرقلة تمويل الجيل القادم من تكنولوجيا الطاقة المتجددة. كما أنه يترك المجتمعات تدفع أسعارًا مرتفعة للكهرباء بشكل مصطنع لأن الطاقة الخضراء الرخيصة والوفيرة ممنوعة فعليًا من الوصول إلى أسواقها المحلية.

تتطلب معالجة هذا المأزق تحولاً جذرياً في كيفية تعامل الحكومات وشركات المرافق مع البنية التحتية للطاقة. ورغم أن بناء آلاف الأميال من خطوط النقل الجديدة عالية الجهد يظل ضرورة طويلة الأجل، يجب على الهيئات التنظيمية إعطاء الأولوية الفورية للتقنيات المعززة للشبكة لزيادة سعة الأسلاك الحالية إلى أقصى حد. ويمكن للابتكارات مثل "التقييم الديناميكي للخطوط"، الذي يستخدم أجهزة استشعار لتحديد مقدار الطاقة التي يمكن أن يحملها سلك معين بأمان في ظل ظروف الطقس الفعلية، أن توفر سعة كبيرة في الشبكة الحالية دون الحاجة إلى عقود من البناء. بالإضافة إلى ذلك، يجب على شركات المرافق تسريع نشر المواد المركبة المتقدمة لتحل محل الأسلاك القديمة والمتدلية ذات القلب الفولاذي. ويمكن لهذه العملية، المعروفة باسم "استبدال الموصلات"، أن تضاعف كمية الكهرباء التي يمكن أن يحملها مسار النقل باستخدام الأبراج المادية ذاتها. وعلى مستوى السياسات، يجب على الحكومات الوطنية والإقليمية تبسيط عمليات التصريح لخطوط الكهرباء العابرة للحدود الإدارية، ومعاملة مسارات النقل بنفس الأولوية الوطنية الملحة التي تحظى بها أنظمة الطرق السريعة بين الولايات أو البنية التحتية الدفاعية.

لقد تم تصوير السباق لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي إلى حد كبير على أنه منافسة لبناء أكبر عدد من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، لكن توليد الطاقة النظيفة ليس سوى نصف المعركة. وإذا استمرت المجتمعات في التعامل مع توليد الطاقة وتوصيلها كقضايا منفصلة، فإن التحول نحو الطاقة الخضراء سيتوقف عند نهاية سلك مزدحم. نحن نحصد طاقة الرياح والشمس بنجاح على نطاق لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، لكننا نسينا بناء الطرق لتوصيل هذا الحصاد إلى السوق. لم يعد الاعتراف بالشبكة كأولوية مناخية قصوى خيارًا. وفي المستقبل، لن يكون المقياس الحقيقي لالتزام أي دولة بالطاقة النظيفة هو عدد المحطات المتجددة التي يمكنها بناؤها، بل مدى ذكاء وكفاءة ربطها بالأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Energy