خصوبة الرجال.. انهيار صامت يهدد العالم
٣١ مارس ٢٠٢٦

من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى ذروته ثم يبدأ في الانكماش بنهاية هذا القرن. وينظر معظم صناع السياسات والاقتصاديين إلى هذا التحول الديموغرافي كظاهرة اجتماعية بحتة. فهم يشيرون إلى ارتفاع مشاركة المرأة في القوى العاملة، والتكاليف الباهظة للسكن، والتوسع الحضري السريع في العالم النامي. والفكرة السائدة هي أن الناس يختارون إنجاب عدد أقل من الأطفال ببساطة. لكن هذا الافتراض الشائع يتجاهل حقيقة بيولوجية قاسية تتكشف بهدوء تحت السطح، وهي أن صحة الرجل الإنجابية تشهد انهياراً عالمياً وممنهجاً، مما يحول ما كنا نعتقده خياراً اجتماعياً إلى أزمة وشيكة عابرة للحدود.
ترسم الأرقام صورة مقلقة للغاية. ففي عام 2022، نشر باحثون دراسة شاملة في مجلة "هيومن ريبرودكشن أبديت" (Human Reproduction Update) حللت بيانات الخصوبة العالمية على مدى ما يقرب من خمسة عقود. وكشفت النتائج عن مسار هبوطي مذهل. فبين عامي 1973 و 2018، انخفض متوسط تركيز الحيوانات المنوية لدى الرجال بأكثر من النصف. ولسنوات، افترض مسؤولو الصحة العامة أن هذا الانخفاض مشكلة محلية تقتصر على الدول الصناعية الغنية في أمريكا الشمالية وأوروبا. لكن أحدث البيانات أثبتت أن هذا الافتراض كان خاطئاً بشكل خطير. فقد وجد الباحثون أن هذا الاتجاه الهبوطي الحاد يتسارع الآن بسرعة في جميع أنحاء آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
لم تعد هذه قضية خاصة بأنماط الحياة الغربية الحديثة، بل هي تدهور بيولوجي عالمي يؤثر على الأعضاء التناسلية الذكرية في جميع أنحاء العالم. فقد انخفض عدد الحيوانات المنوية عالمياً من متوسط يزيد عن مئة مليون لكل مليلتر إلى ما يقل قليلاً عن خمسين مليوناً، وهو ما يقترب بشكل خطير من العتبة البيولوجية التي يصبح عندها الحمل الطبيعي صعباً للغاية.
لفهم سبب حدوث ذلك، يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من التفسيرات السلوكية البسيطة مثل سوء التغذية أو قلة الحركة أو التوتر. فبينما تؤثر هذه العوامل بالتأكيد على الصحة العامة، فإن السبب الرئيسي يعبر الحدود والمحيطات. فلعقود من الزمن، اعتمد الاقتصاد العالمي على تدفق هائل من المواد الكيميائية الاصطناعية، التي يعمل الكثير منها كمواد مُخِلّة بعمل الغدد الصماء. فمواد كيميائية مثل الفثالات، التي تجعل البلاستيك مرناً، والبيسفينول، المستخدمة في كل شيء من تغليف المواد الغذائية إلى ورق الإيصالات، تتداخل بشكل مباشر مع هرمونات الإنسان. فهي إما تحاكي هرمون الإستروجين أو تمنع عمل هرمون التستوستيرون في الجسم.
عندما يتعرض الجنين الذكر لهذه المواد الكيميائية المنتشرة في كل مكان وهو في رحم أمه، فإن ذلك يغير بشكل أساسي نمو الخصيتين، ويحد بشكل دائم من قدرتها على إنتاج حيوانات منوية صحية في وقت لاحق من حياته. ولأن سلاسل التوريد الدولية قد وزعت هذه المواد الكيميائية في كل مكان، فقد أصبحت الآن موجودة بكثافة في إمدادات المياه العالمية والتربة الزراعية والغبار المنزلي اليومي. ولا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها بفعالية عن هذا التلوث غير المرئي.
إن العواقب الجيوسياسية والاقتصادية لهذا التحول البيولوجي هائلة. فالدول بدأت بالفعل تستعد للصدمة الاقتصادية الناتجة عن شيخوخة السكان. وتشهد دول من كوريا الجنوبية إلى إيطاليا تقلص القوى العاملة لديها وضغطاً على أنظمة التقاعد تحت وطأة هرم سكاني مقلوب. وإذا تفاقم العقم الشديد لدى الذكور مع الاتجاه الاجتماعي نحو الأسر الأصغر حجماً، فإن الجدول الزمني لهذه الأزمات الاقتصادية سيتسارع بشكل عنيف.
تنفق الحكومات بالفعل مليارات الدولارات على حوافز مالية لتشجيع الأزواج على إنجاب المزيد من الأطفال. لكن هذه السياسات عديمة الفائدة تماماً إذا كانت "الأجهزة" البيولوجية اللازمة للتكاثر تفشل في أداء وظيفتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن عبء عدم الإنجاب غير الطوعي يحمل تكاليف صحية عامة ضخمة ومتفاقمة. ويضطر الأزواج بشكل متزايد إلى اللجوء لعلاجات الخصوبة المكلفة والجراحية مثل التلقيح الصناعي. وهذا يلقي بعبء جسدي وعاطفي غير متناسب على النساء على مستوى العالم، حتى عندما يكون السبب الجذري لعقم الزوجين متعلقاً بالرجل بالكامل.
تتطلب مواجهة هذه الأزمة العابرة للحدود استجابة شاملة وموحدة من المجتمع الدولي. فلا يمكن للدول منفردة أن تحل مشكلة التلوث الكيميائي بمفردها عندما تكون إمدادات المياه والغذاء العالمية مترابطة بعمق. نحن بحاجة إلى اتفاقيات متعددة الأطراف للتخلص التدريجي من المواد الكيميائية المخلة بالغدد الصماء، على غرار بروتوكول مونتريال الناجح الذي حظر المواد المستنفدة لطبقة الأوزون في الثمانينيات. ويجب على الحكومات إجبار قطاع الصناعات الكيميائية على إثبات أن المركبات الاصطناعية الجديدة لا تضر بالصحة الإنجابية قبل السماح بطرحها في السوق العالمية.
علاوة على ذلك، تحتاج أنظمة الصحة العامة إلى تغيير نهجها تجاه الخصوبة بشكل جذري. فلفترة طويلة جداً، عوملت الصحة الإنجابية على أنها قضية نسائية بشكل شبه حصري. نحن بحاجة إلى حملات صحية عالمية تزيل الوصمة عن عقم الذكور، وتشجع الرجال على إجراء فحوصات إنجابية مبكرة، وتثقف الجمهور بشكل مكثف حول كيفية تقليل التعرض اليومي للمواد الكيميائية في منازلهم.
إن قصة سكان العالم تصل إلى منعطف حاسم. فالافتراض بأن البشرية ستتكاثر ببساطة متى ما قررت أن الظروف الاقتصادية مناسبة يبدو هشاً على نحو متزايد. نحن نغير بيولوجيتنا بشكل فعال من خلال البيئات الاصطناعية التي بنيناها، والعواقب تلحق بنا بسرعة مخيفة. إن التعامل مع انخفاض معدلات المواليد على أنه مجرد نتيجة ثانوية للخيارات الاقتصادية الحديثة هو إلهاء خطير. يجب أن نواجه التدهور البيئي للبيولوجيا البشرية بشكل مباشر. فإذا فشلنا في حماية صحة الرجل الإنجابية من هذا المشهد الكيميائي السام، فإن الشتاء الديموغرافي الذي يواجه الاقتصاد العالمي سيكون أبرد وأطول بكثير مما توقعه أي شخص.