الدول تبني جدرانًا رقمية، وهذا يغير كل شيء
٢٩ مارس ٢٠٢٦

لعقود طويلة، تخيلنا الإنترنت عالمًا رقميًا بلا حدود. كان مكانًا تتدفق فيه المعلومات والأفكار والتجارة بحرية، ليربط البشرية في حوار عالمي واحد. وعدت هذه الرؤية بفضاء إلكتروني موحد بجعل العالم أكثر انفتاحًا وإزالة الانقسامات القديمة. لكن هذا الحلم يتلاشى بهدوء. وبدلًا منه، يظهر واقع جديد: مشهد رقمي متشظٍ تبني فيه الدول جدرانًا افتراضية حول سكانها، وهو ما يغير بشكل جذري طريقة عملنا وتواصلنا وحتى تفكيرنا.
هذا الأمر لا يحدث في بضعة بلدان معزولة فقط. فهذا التوجه، المعروف باسم السيادة الرقمية، هو ظاهرة عالمية. المثال الأشهر هو "جدار الحماية العظيم" في الصين، وهو نظام معقد للرقابة والمراقبة يخلق نظامًا بيئيًا منفصلًا للإنترنت تتحكم فيه الدولة. لكن هذا لم يعد حالة استثنائية. فقد أقرت روسيا قانون "الإنترنت السيادي" في عام 2019، والذي صُمم للسماح للبلاد بالانفصال تمامًا عن الإنترنت العالمي. كما سنت الهند قواعد صارمة لتوطين البيانات، تلزم الشركات بتخزين بيانات المواطنين الهنود على خوادم داخل البلاد. حتى التكتلات الديمقراطية هي جزء من هذا التحول. فالنظام العام لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي، ورغم أنه مصمم لحماية خصوصية المستخدمين، فإنه يؤكد سلطة الاتحاد الأوروبي على بيانات مواطنيه، بغض النظر عن مكان وجود الشركة التي تعالجها. ووجد تقرير صادر عام 2021 عن المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي أن إجراءات توطين البيانات في جميع أنحاء العالم قد تضاعفت أكثر من مرتين في غضون أربع سنوات فقط.
الدوافع وراء هذه الحدود الرقمية معقدة ومتنوعة. بالنسبة لبعض الحكومات، الدافع الأساسي هو السيطرة. ففي عصر الاحتجاجات التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة السريعة للمعلومات، يُنظر إلى السيطرة على الفضاء الرقمي كأمر ضروري للحفاظ على الأمن القومي والاستقرار السياسي. فمن خلال تصفية المحتوى وحجب الخدمات الأجنبية ومراقبة النشاط عبر الإنترنت، يمكن للسلطات قمع المعارضة وتشكيل الرأي العام. هذا النهج يتعامل مع البيانات والمعلومات ليس كمورد مشترك، بل كأصل استراتيجي يجب إدارته والدفاع عنه مثل أي جزء آخر من أراضي الدولة.
يلعب الاقتصاد أيضًا دورًا رئيسيًا. مع تحول البيانات إلى المورد الأكثر قيمة في العالم، أصبحت الدول غير راغبة بشكل متزايد في تركها تتدفق بحرية إلى وادي السيليكون أو غيره من مراكز التكنولوجيا العالمية. من خلال إجبار الشركات على بناء مراكز بيانات ومعالجة المعلومات محليًا، تأمل الحكومات في تعزيز صناعات التكنولوجيا المحلية، وخلق فرص عمل، والاستحواذ على حصة أكبر من أرباح الاقتصاد الرقمي. هذه الحمائية الرقمية هي جبهة جديدة في المعركة القديمة حول التجارة والمزايا الاقتصادية. وهي تعكس اعتقادًا متزايدًا بأن البنية التحتية الرقمية للدولة لا تقل أهمية عن ازدهارها المستقبلي، تمامًا كما كانت الطرق والموانئ المادية في الماضي.
بالنسبة للمواطنين العاديين والشركات، فإن عواقب هذا التشظي عميقة. إن التجربة العالمية المتمثلة في الدخول إلى نفس الإنترنت، مع إمكانية الوصول إلى نفس الخدمات والمعلومات، آخذة في الاختفاء. اعتمادًا على المكان الذي تعيش فيه، قد يكون موقع الأخبار المفضل لديك محجوبًا، أو قد لا يعمل تطبيق التواصل الاجتماعي الخاص بك، أو قد تكون الأدوات عبر الإنترنت التي تعتمد عليها في عملك غير متاحة. بالنسبة للشركات العالمية، أصبح التعامل مع هذا الخليط من اللوائح كابوسًا. فالشركة التي كانت تستطيع خدمة جمهور عالمي من منصة واحدة، يجب عليها الآن التعامل مع العشرات من المتطلبات القانونية المختلفة، مما يرفع التكاليف ويخنق الابتكار. وهذا يخلق ساحة لعب غير متكافئة، حيث يمكن للشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي لديها فرق قانونية ضخمة أن تتكيف، بينما تجد الشركات الناشئة الصغيرة طموحاتها العالمية معرقلة بسبب الروتين الرقمي.
يبدو عكس هذا الاتجاه أمرًا غير مرجح. فالزخم نحو السيادة الرقمية قوي للغاية، وتدفعه مصالح وطنية قوية. إذًا، التحدي ليس إعادة بناء الإنترنت الموحد القديم، بل إدارة هذا التشظي. بدأت الدبلوماسية الدولية تتعامل ببطء مع هذا الواقع الجديد. تجري المناقشات في منتديات مثل الأمم المتحدة ومجموعة السبع لوضع مبادئ مشتركة لتدفق البيانات والتجارة الرقمية والحقوق عبر الإنترنت. وتسعى مفاهيم مثل "التدفق الحر للبيانات مع الثقة"، الذي اقترحته اليابان، إلى إيجاد حل وسط، يسمح بنقل البيانات عبر الحدود، ولكن فقط بين البلدان التي لديها معايير خصوصية وأمان متوافقة. تهدف هذه الجهود إلى إنشاء "تحالفات رقمية موثوقة" يمكنها منع الإنترنت من الانقسام إلى تكتلات معزولة تمامًا وغير متصلة.
في النهاية، يجبرنا صعود الجدران الرقمية على مواجهة سؤال جوهري حول المستقبل: هل سيكون الإنترنت أداة للتواصل العالمي أم آلية للسيطرة الوطنية؟ العالم الذي كنا نعتقد أنه أصبح أكثر انفتاحًا، أصبح في المجال الرقمي أكثر انقسامًا. الحدود التي يتم رسمها غير مرئية، فهي مصنوعة من الأكواد والسياسات بدلًا من الخرسانة والأسلاك الشائكة، لكنها حقيقية تمامًا. إن كيفية تعاملنا مع هذا العالم الرقمي الجديد والمقسّم ستحدد ملامح القوة العالمية والفرص الاقتصادية والحرية الشخصية للأجيال القادمة. لقد انتهى عصر الإنترنت العالمي الواحد، والصراع لتحديد ما سيأتي بعده قد بدأ للتو.