قضاة لا سياسيون.. المحاكم الدستورية تلغي بهدوء قوانين استعمارية تجرم المثليين
٣٠ مارس ٢٠٢٦

عندما يفكر الناس في تقدم الحقوق المدنية عالميًا، غالبًا ما يتخيلون احتجاجات حاشدة في الشوارع أو نقاشات تشريعية محتدمة أو تغيرًا في استطلاعات الرأي العام. نتصور المشرعين وهم يدلون بأصوات تاريخية أو المواطنين وهم يطالبون بالتغيير في الساحات العامة. لكن هناك ثورة قانونية هادئة تروي قصة مختلفة تمامًا. ففي عشرات الدول التي يرفض فيها القادة السياسيون المساس بقضية حقوق المثليين، لا تتحقق أهم الانتصارات من أجل المساواة داخل البرلمانات. بل تحدث داخل قاعات المحاكم الدستورية الهادئة والرسمية. فالمحامون المحليون والقضاة المستقلون، وليس السياسيون المنتخبون، هم من يعملون بشكل منهجي على تفكيك قوانين العقوبات القديمة حكمًا تلو الآخر.
هذا التوجه لا يمكن إنكاره، ويمتد عبر قارات متعددة. على مدى العقد الماضي، ألغت المحاكم العليا في دول مثل بليز والهند وبوتسوانا وأنتيغوا وباربودا وباربادوس قوانين قائمة منذ فترة طويلة تجرم العلاقات الجنسية المثلية. وتكشف الأبحاث التي يتابعها محامون دوليون عن نمط واضح ومنسق للغاية يُعرف بـ"التقاضي الاستراتيجي". فبدلاً من انتظار تحرك البرلمانات المعادية أو المتخوفة، يقوم محامو الحقوق المدنية برفع دعاوى قضائية مدروسة بعناية. ويجادلون بأن تجريم العلاقات الخاصة التي تتم بالتراضي ينتهك الضمانات الدستورية الأساسية. في عام 2018، أصدرت المحكمة العليا في الهند حكمًا تاريخيًا ضد المادة 377، وهي مادة قانونية سيئة السمعة. وبعد فترة وجيزة، أصدرت المحكمة العليا في بوتسوانا حكمًا مماثلاً. ونادرًا ما يعتمد المنطق القانوني في هذه القضايا على تفسيرات جديدة جذرية للقانون. بل يعود القضاة إلى المبادئ الجوهرية والوعود الأساسية لدساتير بلادهم، وتحديدًا الحق في الخصوصية والكرامة والمساواة أمام القانون.
لفهم سبب نجاح هذه الاستراتيجية، من المهم النظر إلى مصدر هذه القوانين. الغالبية العظمى من قوانين العقوبات التي يتم الطعن فيها اليوم ليست أصيلة في ثقافات البلدان التي تطبقها. بل هي بقايا مباشرة من الإمبراطورية البريطانية، فُرضت على المستعمرات منذ أكثر من قرن. على سبيل المثال، تمت صياغة المادة 377 على يد إداريين استعماريين في ستينيات القرن التاسع عشر وتم تصديرها إلى جميع أنحاء العالم. ومن خلال تسليط الضوء على هذه الحقيقة التاريخية في المحكمة، يمنح المحامون المحليون القضاة حجة قانونية وثقافية قوية. فهم يثبتون أن إلغاء القوانين المناهضة للمثليين ليس استيرادًا للقيم الغربية الأجنبية، بل هو إزالة لعبء استعماري أجنبي قديم.
هذا التحول نحو القضاء ليس صدفة. بل هو استجابة مدروسة لشلل سياسي عميق. ففي العديد من الدول، يواجه المشرعون ضغوطًا شديدة من المؤسسات الدينية والكتل التصويتية المحافظة. بالنسبة للسياسي الذي يحاول الفوز في الانتخابات، قد يبدو دعم حقوق المثليين بمثابة انتحار سياسي فوري. وغالبًا ما تماطل البرلمانات في القضية أو تتجاهلها أو تعرقل إجراءات المساواة لإرضاء قواعدها الشعبية. لكن القضاة يعملون في بيئة مختلفة تمامًا. فنظرًا لأن قضاة المحاكم العليا يتم تعيينهم عادةً بدلاً من انتخابهم، فهم معزولون عن الضغوط الفورية والمتقلبة لصناديق الاقتراع. وظيفتهم ليست الفوز في مسابقات الشعبية. بل مهمتهم هي قياس القوانين الحالية وفقًا للقانون الأعلى للبلاد، ونادرًا ما ينجو حظر صريح للعلاقات الخاصة من التدقيق الدستوري الجاد.
العواقب الواقعية لأي حكم قضائي إيجابي تكون فورية وشخصية للغاية. فحتى في البلدان التي نادرًا ما تُستخدم فيها هذه القوانين القديمة لإرسال الناس إلى السجن، فإن مجرد وجودها يعمل كرخصة قانونية لسوء المعاملة. وتُظهر البيانات من منظمات حقوق الإنسان العالمية أن ضباط الشرطة الفاسدين كثيرًا ما يستخدمون التهديد بالاعتقال بموجب هذه القوانين لابتزاز الرشاوى من المواطنين المستضعفين. ويستخدمها أصحاب العقارات لطرد المستأجرين، وأصحاب العمل لفصل الموظفين دون سبب. وإلغاء القانون يزيل على الفور سلاحًا قويًا للمضايقات التي ترعاها الدولة. علاوة على ذلك، فإن إلغاء التجريم له فوائد ضخمة على الصحة العامة. فقد وجد الباحثون باستمرار أن التجريم يدفع الناس للابتعاد عن العيادات المحلية خوفًا من أن يبلغهم الأطباء للشرطة. وإزالة خطر الاعتقال يسمح للأفراد بالحصول على الرعاية الطبية الأساسية بأمان.
لكن هذا التقدم القضائي لا يحدث دون احتكاك شديد. فعندما تدفع المحاكم حقوق الإنسان إلى الأمام بوتيرة أسرع مما قد يفضله عامة الناس، يمكن أن تكون ردة الفعل السياسية شرسة. وقد حاول المشرعون في عدة دول تمرير تشريعات جديدة وأكثر قسوة للالتفاف على الأحكام القضائية. وفي بعض المناطق، تقوم منظمات قانونية أجنبية محافظة الآن بضخ الأموال والاستراتيجيات القانونية للحكومات المحلية، لمساعدتها على استئناف الأحكام المؤيدة لحقوق المثليين. هذا التدخل يحول المحاكم العليا المحلية إلى ساحات معارك أيديولوجية، مما يضع ضغطًا هائلاً على النظام القانوني المحلي ويختبر صمود استقلال القضاء.
تتطلب حماية هذه الانتصارات القانونية وتوسيعها تحولاً كبيرًا في كيفية دعم المجتمع الدولي لحقوق الإنسان. فالاعتماد على الحكومات الغربية لإصدار إدانات علنية صاخبة أو التهديد بقطع المساعدات الخارجية غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية. فهذه الأساليب تسمح للسياسيين المحليين بتصوير حقوق الإنسان على أنها فرض أجنبي معادٍ، مما يجعل الوضع أكثر خطورة على المواطنين المحليين. بدلاً من ذلك، يجب أن ينصب التركيز على بناء القدرات القانونية الهادئ والمستدام. تحتاج منظمات المجتمع المدني إلى تمويل لتدريب المحامين المحليين على التقاضي الاستراتيجي. ويجب دعم العيادات القانونية حتى تتمكن من تمثيل المدعين الشجعان المستعدين لوضع أسمائهم في هذه الطعون الدستورية المحفوفة بالمخاطر. والأهم من ذلك، يجب على الجمعيات القانونية الدولية العمل بقوة لحماية استقلال القضاء في جميع أنحاء العالم. فعندما يواجه القضاة تهديدات سياسية أو العزل بسبب حكمهم لصالح حقوق الأقليات، ينهار نظام العدالة بأكمله.
إن الكفاح من أجل المساواة طويل ومعقد، ويتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الثقافات. وفي حين أن تغيير المواقف العامة جزء حيوي من هذه الرحلة، إلا أن القبول الثقافي وحده لا يمكن أن يوقف اعتقالًا غير قانوني أو يمنع الابتزاز. فهذا يتطلب العمل الشاق وغير البراق للإصلاح القانوني. ويثبت النشطاء والمحامون الذين يقدمون هذه الطعون الدستورية أن العدالة لا تتطلب دائمًا برلمانًا متعاطفًا. في بعض الأحيان، كل ما يتطلبه الأمر هو مرافعة قانونية بارعة، ومدعٍ شجاع، وقاضٍ على استعداد لدعم الوعد الحقيقي للقانون. ومن خلال إجبار القوانين القديمة على مواجهة نور التدقيق الدستوري، فإنهم يؤمّنون مستقبلاً يتم فيه الاعتراف بالكرامة الإنسانية كحق قانوني دائم، وليس كخدمة سياسية مؤقتة.