الدول الغنية تنقل حدودها سراً إلى مناطق تبعد آلاف الأميال

٣٠ مارس ٢٠٢٦

الدول الغنية تنقل حدودها سراً إلى مناطق تبعد آلاف الأميال

عندما يفكر معظم الناس في الحدود الوطنية، يتخيلون حاجزاً مادياً. جداراً أو نهراً أو برج مراقبة أو نقطة تفتيش للجوازات. الافتراض الأساسي هو أن سلطة الدولة تبدأ وتنتهي عند الخط الجغرافي المرسوم على الخريطة تماماً. لكن خلال العقد الماضي، انفصلت الحدود بهدوء عن الجغرافيا. فقد وجدت الدول الغنية طريقة لتمتد حدودها عبر المحيطات والقارات. فمن خلال ممارسة تُعرف بـ "تصدير الحدود"، تدفع حكومات الدول المستهدفة أموالاً لدول بعيدة لوقف المهاجرين قبل وقت طويل من وصولهم إلى الحدود المادية للدولة الغنية. بالنسبة لملايين النازحين، لم تعد الحدود الفعلية هي العقبة الأخيرة، بل أصبحت مجرد خطوة إدارية أخيرة في متاهة خفية تبدأ على بعد آلاف الأميال.

لقد أصبح حجم هذه الرقابة المفوضة هائلاً، مما يعيد تشكيل الخريطة العالمية لحركة البشر. وتظهر الأبحاث الصادرة عن مراكز الفكر المعنية بالهجرة ومنظمات حقوق الإنسان زيادة حادة في التمويل الموجه إلى دول العبور على مدى السنوات العشر الماضية. فعلى سبيل المثال، أرسل الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات إلى دول في شمال إفريقيا، منها ليبيا وتونس وموريتانيا. الهدف هو تجهيز خفر السواحل المحلي، وتمويل قوات الأمن، وبناء مراكز احتجاز لاعتراض القوارب قبل عبورها البحر الأبيض المتوسط. وتُطبَّق استراتيجية مماثلة في الأمريكيتين. فلسنوات، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً شديدة وموّلت دولاً في الجنوب، محوّلة المكسيك وحتى دولاً في أمريكا الوسطى إلى مناطق لتنفيذ الرقابة بحكم الأمر الواقع. وتشير البيانات التي تتبعها مجموعات مثل "معهد سياسات الهجرة" إلى أن الدول المستهدفة تنفق مبالغ غير مسبوقة لبناء هذه المناطق العازلة، ناقلة بذلك العبء الثقيل لمراقبة الهجرة إلى دول أقل ثراءً.

يرتبط المنطق وراء هذا التحول ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الداخلية وتعقيدات القانون الدولي. فبمجرد أن يطأ المهاجر أرض دولة ديمقراطية غنية، تكون تلك الدولة ملزمة بشكل عام بموجب المعاهدات الدولية بمعالجة طلب لجوئه. ويستغرق النظر في هذه الطلبات وقتاً ويكلف مالاً، كما أن ترحيل الأفراد الذين تُرفض طلبات لجوئهم في النهاية أمر معقد قانونياً وصعب سياسياً. ومن خلال الدفع لدولة عبور لوقف الأشخاص أثناء تنقلهم، تتجاوز الدول المستهدفة هذه الالتزامات القانونية بالكامل. فعملية اعتراض قبالة سواحل إفريقيا أو حاجز عسكري في عمق المكسيك لا تفعّل أبداً الإجراءات القانونية لطلب اللجوء في أوروبا أو الولايات المتحدة. وبالنسبة للسياسيين الذين يواجهون ضغوطاً شرسة من ناخبين قلقين لخفض الهجرة، فإن تصدير المشكلة يقدم انتصاراً شكلياً سهلاً. تنخفض أعداد الواصلين عند الحدود المادية، ويمكن للقادة أن ينسبوا النجاح لأنفسهم دون الحاجة لإصلاح الأنظمة المعطلة للجوء في بلادهم.

لكن عواقب تصدير الرقابة على الحدود عميقة وقاسية في كثير من الأحيان. فدفع عمليات الرقابة إلى دول ذات أنظمة قانونية أضعف وحماية أقل لحقوق الإنسان يخلق أزمة إنسانية هائلة في الخفاء. وفي غياب المراقبة الدقيقة من الصحفيين أو المدافعين عن الحقوق أو المحامين الدوليين، يواجه المهاجرون انتهاكات جسيمة. على سبيل المثال، توصلت تحقيقات الأمم المتحدة في مراكز الاحتجاز الممولة خارجياً في ليبيا بشكل متكرر إلى أدلة ممنهجة على الابتزاز والعمل القسري والعنف المروع. علاوة على ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لا توقف حركة البشر فعلياً. إذ تظهر عقود من سياسات الحدود أنه عندما يُغلق طريق ما، يسلك الأشخاص اليائسون ببساطة مسارات أكثر خطورة. ويقوم المهربون على الفور بتكييف شبكاتهم، ويفرضون رسوماً أعلى لتجاوز العقبات الجديدة. والنتيجة هي ازدهار اقتصاد غير مشروع. وتزداد العصابات وشبكات الاتجار بالبشر ثراءً وتنظيماً، بينما تصبح الرحلة أكثر فتكاً باطراد بالنسبة للعائلات الهاربة من الفقر والصراع. وبمحاولتها "تطهير" حدودها، قامت الدول الغنية عن غير قصد بتغذية مشروع إجرامي ضخم وعنيف.

يتطلب إصلاح هذا النظام الممزق الاعتراف بأن الدفع مقابل إبقاء المهاجرين بعيداً ليس سياسة هجرة قابلة للاستمرار على المدى الطويل. يجب على الدول المستهدفة التوقف عن معاملة دول العبور الفقيرة كمجرد حظائر احتجاز، والبدء في بناء أنظمة فعالة لإدارة حركة البشر. يتمثل أحد الحلول الفورية في فتح مسارات آمنة وقانونية للعمل واللجوء بالقرب من الأماكن التي يعيش فيها الناس بالفعل. إن مراكز المعالجة الإقليمية، حيث يمكن للأفراد التقدم بطلب للحماية أو تأشيرات العمل دون الدفع للمهربين لعبور صحراء أو بحر، تحتاج إلى توسع هائل وتمويل حقيقي. ويجب على الحكومات أيضاً ربط أي تمويل أجنبي لإنفاذ القانون بمراقبة صارمة لحقوق الإنسان، لضمان ألا تذهب أموال دافعي الضرائب ببساطة لتمويل الانتهاكات في الخارج. وبعيداً عن فرض الرقابة، يحتاج المجتمع الدولي إلى القبول بأن الضغوط الديموغرافية الشديدة والانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار ستدفع الناس إلى مواصلة التنقل. وبدلاً من محاولة محاصرة المهاجرين في غرفة انتظار دائمة في العالم النامي، يجب على الدول الغنية الاستثمار في البنية التحتية اللازمة لمعالجة الوافدين الجدد وفحصهم ودمجهم بكفاءة في أوطانهم.

إن المفهوم التقليدي للحدود الوطنية يتلاشى. ويحل محله الآن جدار مالي خفي يمتد عبر العالم، مصمم بالكامل تقريباً لإبقاء حقائق النزوح العالمي بعيدة عن الأنظار. لكن إبقاء المشكلة بعيدة عن الأنظار لا يعني حلها. إن تصدير الرقابة يسمح للعالم المتقدم بأن يدير وجهه بعيداً، لكنه لا يفعل سوى نقل التكاليف الأخلاقية والمالية إلى الدول الفقيرة والأشخاص الأكثر ضعفاً في العالم. وما لم تتوقف الدول الغنية عن محاولة شراء مخرج لها من واقع عالمي معقد، فإن أزمة النزوح ستزداد فوضوية وخطورة. لا يمكن للعالم السيطرة على يأس البشر من مسافة بعيدة. يجب أن تكون الحدود مكاناً تُطبَّق فيه القوانين بعدل وإنسانية، لا خطاً متحركاً يهدف إلى إخفاء فشل القيادة العالمية.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Migration