رحلة العودة إلى الوطن.. غالباً أصعب من رحلة الذهاب
٢٩ مارس ٢٠٢٦

تُروى قصة الهجرة عادةً على أنها رحلة باتجاه واحد. إنها قصة مغادرة، وعبور للحدود بحثاً عن الأمان أو الفرص، وعملية بطيئة وصعبة للاستقرار في أرض جديدة. ونميل إلى اعتبار المغادرة نهاية فصل، والوصول بداية فصل جديد. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، هذه الرواية غير مكتملة. فهي تتجاهل الجزء الأخير من الرحلة، والذي غالباً ما يكون الأصعب: العودة إلى الوطن.
الهجرة العائدة هي ظاهرة عالمية واسعة، لكن لا يتم تغطيتها إعلامياً بما يكفي. ورغم صعوبة تتبع الأرقام الدقيقة، تساعد المنظمة الدولية للهجرة (IOM) عشرات الآلاف من المهاجرين على العودة إلى ديارهم كل عام. ويمثل هذا الرقم جزءاً بسيطاً فقط من إجمالي العائدين. ويعود ملايين آخرون من تلقاء أنفسهم، مدفوعين بمزيج معقد من الخيارات الشخصية والضرورات الاقتصادية والضغوط الحكومية. هذا التدفق العكسي ليس علامة على الفشل، بل هو جزء أساسي من دورة الهجرة العالمية. ومع ذلك، نادراً ما تكون التحديات التي يواجهها العائدون جزءاً من النقاش العام.
أسباب العودة متنوعة تماماً كأسباب المغادرة. بالنسبة للبعض، كان الهدف مؤقتاً دائماً، مثل كسب ما يكفي من المال لبناء منزل، أو بدء عمل تجاري، أو دعم أسرهم خلال أزمة ما. وبالنسبة لآخرين، فإن الركود في بلدهم المضيف يجعل البقاء فيه مستحيلاً. ومثال على ذلك الأزمة المالية لعام 2008، التي شهدت عودة العديد من عمال البناء إلى أمريكا اللاتينية من الولايات المتحدة وإسبانيا. كما أن الالتزامات العائلية، مثل رعاية الآباء المسنين، قد تدفع الناس إلى العودة. وكذلك الشعور القوي بالحنين إلى الثقافة والمجتمع والأجواء المألوفة في الوطن. وبالنسبة للكثيرين، لا تكون العودة خياراً على الإطلاق، بل نتيجة لانتهاء صلاحية التأشيرات أو صدور أوامر ترحيل.
في الظاهر، يمكن للمهاجرين العائدين أن يكونوا قوة دافعة قوية للتنمية. فهم غالباً ما يعودون برأس مال مالي يُستثمر مباشرة في الاقتصادات المحلية. وهذا يخلق فرص عمل ويحفز النمو بطريقة لا تستطيع المساعدات الخارجية تحقيقها في كثير من الأحيان. وإلى جانب المال، يحملون معهم "حوالات اجتماعية"، وهي مهارات جديدة، وأخلاقيات عمل، وأفكار حول الديمقراطية وريادة الأعمال والأعراف الاجتماعية. وقد أظهرت الدراسات كيف كان للعائدين دور أساسي في إطلاق شركات تكنولوجيا ناشئة في أوروبا الشرقية، وإدخال تقنيات زراعية جديدة في أجزاء من أفريقيا. ويعودون أيضاً بنظرة أوسع للعالم، ولغة جديدة، وشبكة من العلاقات الدولية التي يمكن أن تبني جسوراً بين وطنهم والعالم الأوسع.
لكن الواقع على الأرض غالباً ما يكون أصعب بكثير. فالوطن الذي تركوه وراءهم ليس هو نفسه الذي يعودون إليه. لقد تغيرت الاقتصادات والمشاهد السياسية، وحتى أسرهم نفسها. كما أن المهاجر نفسه قد تغير بفعل تجاربه في الخارج. يمكن أن يخلق هذا الانفصال شعوراً عميقاً بالاغتراب. المهارات التي تعلموها في الخارج قد لا تكون معترفاً بها أو قابلة للتطبيق في سوق العمل المحلي، مما يترك العامل ذا الخبرة العالية عاطلاً عن العمل أو يعمل في وظيفة أقل من مؤهلاته. ويواجه الكثيرون وصمة عار اجتماعية مؤلمة، حيث يُنظر إليهم إما كفاشلين لم يتمكنوا من النجاح في الخارج، أو كغرباء متعجرفين نسوا جذورهم. يمكن أن يؤدي هذا الاحتكاك الاجتماعي إلى عزلة شديدة.
العبء النفسي هائل. فبعد سنوات من التكيف مع ثقافة ما، يمكن أن تكون إعادة التكيف مع ثقافتهم الأصلية صادمة بشكل غير متوقع. وتكشف الأبحاث حول الصحة النفسية للعائدين باستمرار عن معدلات عالية من القلق والاكتئاب واضطراب الهوية. ويكون هذا حاداً بشكل خاص بالنسبة لأطفال المهاجرين العائدين، الذين ربما ولدوا ونشأوا في الخارج. بالنسبة لهم، فإن "الوطن" هو بلد غريب. وقد لا يتحدثون اللغة بطلاقة أو يفهمون الفروق الثقافية الدقيقة، مما يؤدي إلى التنمر في المدارس وشعور عميق بعدم الانتماء إلى أي مكان. إنهم، بمعنى ما، مهاجرون في بلدهم.
تتطلب مواجهة هذا التحدي تحولاً جوهرياً في كيفية نظرنا إلى الهجرة. فبدلاً من التركيز فقط على إدارة الحدود والاندماج في البلدان المضيفة، يجب على الحكومات والهيئات الدولية تطوير أنظمة قوية لدعم إعادة الإدماج. توجد بالفعل برامج ناجحة. ففي أماكن مثل الفلبين، وهي دولة لها تاريخ طويل في هجرة العمالة الدائرية، تقدم الوكالات الحكومية للعمال العائدين كل شيء، بدءاً من التدريب على الثقافة المالية وصولاً إلى التمويل الأولي لريادة الأعمال. الدعم الفعال هو دعم شامل، لا يقدم المساعدة الاقتصادية فحسب، بل يقدم أيضاً استشارات نفسية واجتماعية حيوية لمساعدة الأفراد والأسر على التعامل مع المشاعر الصعبة المصاحبة للعودة. والمبادرات على مستوى المجتمع المحلي التي تعمل على الحد من وصمة العار والاحتفاء بمساهمات العائدين لا تقل أهمية عن السياسات الوطنية.
في النهاية، يجبرنا فهم الهجرة العائدة على رؤية التنقل البشري ليس كمسار خطي من النقطة "أ" إلى "ب"، بل كعملية معقدة، وغالباً ما تكون دائرية. فالقصة لا تنتهي عند الحدود. بالنسبة للكثيرين، تمثل العودة بداية جديدة، مليئة بالوعود والمخاطر في آن واحد. والاعتراف بتعقيداتها هو الخطوة الأولى نحو صياغة سياسات أكثر إنسانية وفعالية، تحفظ كرامة المهاجرين طوال رحلتهم بأكملها، سواء بعيداً عن الوطن أو عند العودة إليه.