لماذا يعتبر الخوف من "هجرة العقول" العالمية فكرة خاطئة جوهرياً؟

٢٨ مارس ٢٠٢٦

لماذا يعتبر الخوف من "هجرة العقول" العالمية فكرة خاطئة جوهرياً؟

لعقود طويلة، كانت الرواية السائدة حول هجرة المهنيين ذوي التعليم العالي من الدول النامية تتحدث عن خسارة فادحة لا يمكن تعويضها. وكثيراً ما يستحضر السياسيون وصناع السياسات المحليون شبح "هجرة العقول"، راسمين صورة قاتمة للدول الغربية الغنية التي تستقطب ألمع الأطباء والمهندسين والعلماء من دول الجنوب. الافتراض الأساسي وراء ذلك بسيط ومباشر: عندما يغادر أصحاب أفضل المواهب، يُحرم بلدهم الأصلي بشكل دائم من أقدر عقوله، ويصبح محكوماً عليه بالركود الاقتصادي الدائم، وأنظمة الرعاية الصحية المشلولة، والبنية التحتية الهشة. لكن هذه النظرة المتجذرة بعمق تسيء فهم الواقع الحديث للتنقل العالمي. فالهجرة نادراً ما تكون طريقاً دائماً باتجاه واحد، كما أن الافتراض بفقدان رأس المال البشري إلى الأبد بمجرد عبور المواطن للحدود، يتضح يوماً بعد يوم أنه مجرد خرافة واسعة الانتشار.

بدلاً من هذا الاستنزاف المدمر، يوثق الباحثون وخبراء اقتصاد العمل ظاهرة قوية ومتبادلة تُعرف باسم "دوران العقول". فعندما يغادر العمال المهرة بلدانهم الأصلية، نادراً ما يقطعون علاقاتهم بأوطانهم. إن "الحبل السري" المالي الذي يحافظ عليه المهاجرون مذهل في حجمه واستمراريته. وتكشف البيانات التي نشرها البنك الدولي في السنوات الأخيرة باستمرار أن التحويلات المالية العالمية المرسلة إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل قد تجاوزت إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية مجتمعين، وكثيراً ما تتجاوز ستمئة مليار دولار سنوياً. تتدفق هذه الأموال مباشرة إلى المجتمعات المحلية، لتمويل كل شيء بدءاً من إنشاء المشاريع الصغيرة وصولاً إلى تعليم الأطفال والبنية التحتية المجتمعية. لكن التبادل يتجاوز مجرد تحويل الأموال. حيث تظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث حول شبكات المغتربين الحديثة أن المهنيين المغتربين يصبحون جسوراً حيوية ونشطة للتجارة الدولية ونقل التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي.

لننظر في تطور قطاع التكنولوجيا المزدهر في الهند في أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في البداية، ساد قلق محلي من تدفق أفضل خريجي الهندسة إلى "وادي السيليكون"، لكن هذا القلق تحول في النهاية إلى إدراك بأن هؤلاء المغتربين أنفسهم لعبوا دوراً أساسياً في بناء البنية التحتية التكنولوجية في بنغالور ذات القدرة التنافسية العالمية. لقد استغلوا مناصبهم في الخارج لتوجيه عقود مربحة إلى وطنهم، وقدموا الإرشاد للشركات الناشئة المحلية، وكثيراً ما عادوا إلى الهند حاملين معهم رأس المال الاستثماري، والشبكات المهنية العالمية، والخبرة الإدارية المتقدمة. إن الأسباب الكامنة وراء رحيلهم في المقام الأول شائعة اليوم في العديد من الدول النامية، وتشمل: الأجور المنخفضة بشكل مصطنع، ومرافق البحث غير الكافية، والعقبات البيروقراطية الخانقة. فالأفراد ذوو المهارات العالية لا يحزمون أمتعتهم لأنهم يرغبون في التخلي عن مجتمعاتهم؛ بل يهاجرون لأنهم يبحثون عن بيئة يمكن فيها تحقيق خبراتهم بالكامل ودعمها ومكافأتها بشكل عادل.

إن عواقب هذا التنقل الدولي معقدة بلا شك، لكنها تميل بشدة نحو تحقيق مكاسب تنموية طويلة الأجل عند النظر إليها على صعيد الاقتصاد الكلي. والمثير للدهشة أن مجرد احتمال الهجرة من أجل الحصول على أجور أعلى يحفز في الواقع زيادة هائلة في الاستثمار في التعليم داخل البلد الأصلي. فقد درس الاقتصاديون قطاع تصدير الممرضات في الفلبين، ووجدوا أن النجاح المالي الواضح للمهنيين الطبيين المهاجرين يشجع على زيادة كبيرة في معدلات الالتحاق بمدارس التمريض المحلية على مستوى البلاد. وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من هؤلاء الممرضات المدربات حديثاً ينتقلن في نهاية المطاف إلى الخارج للعمل في مستشفيات في أمريكا الشمالية أو أوروبا، فإن النتيجة الصافية غالباً ما تكون قوة عاملة صحية محلية أكبر وأفضل تعليماً مما كانت ستوجد لولا الإغراء القوي للفرص الدولية. فالطموح إلى المغادرة يدفع معايير التعليم المحلية إلى الأعلى.

ومع ذلك، لا تلغي هذه الديناميكية الألم الحاد والمحلي الذي تشعر به قطاعات معينة عندما يفوق تدفق المواهب إلى الخارج القدرة على تدريب بدائل. فقد أدى الرحيل السريع للعاملين الصحيين المتخصصين من بعض المناطق في أفريقيا جنوب الصحراء، في حالات موثقة جيداً، إلى إجهاد أنظمة العيادات المحلية الهشة أصلاً. فعندما يفقد مستشفى ريفي جراحه الوحيد لصالح وظيفة ذات أجر مرتفع في لندن أو تورنتو، فإن الفوائد المجردة لدوران العقول العالمي لا تقدم سوى القليل من المواساة للمرضى الذين تُركوا وراءهم. وهذا يسلط الضوء على الاحتكاك الشديد بين الحق في التقدم الفردي واحتياجات المجتمع المباشرة، وهو توتر أغرى الحكومات تاريخياً بفرض حواجز هجرة تقييدية.

تتطلب معالجة هذا النقص المحلي تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة الحكومات للهجرة الدولية، بالابتعاد عن السياسات العقابية التي تحاول محاصرة المواهب داخل الحدود، والتوجه نحو أطر عمل تعاونية تستثمر التنقل العالمي. ولأن إغلاق الحدود في وجه رأس المال البشري ليس ممكناً من الناحية القانونية ولا سليماً من الناحية الأخلاقية، يجب أن يتحول التركيز إلى التعاون الدولي المنظم. فالدول الغنية المستضيفة التي تستفيد بشكل هائل من المواهب المستوردة تتحمل مسؤولية أخلاقية وعملية لإعادة الاستثمار في المسارات التعليمية للدول الأصلية. يمكن أن يأخذ هذا شكل اتفاقيات عمل ثنائية، حيث تمول الدول المستضيفة مباشرة مراكز التدريب الطبي والتقني في دول الجنوب، مما يضمن تدريب عدة أشخاص بشكل كاف ليحلوا محل كل مهني يغادر.

أما الدول الأصلية، فيجب عليها من جانبها إصلاح استراتيجياتها المحلية لاستقطاب جالياتها في الخارج. فبدلاً من التعامل مع المغتربين كمنشقين، تعمل الحكومات ذات التفكير المستقبلي على إنشاء برامج زمالة موجهة، ومنح بحثية مشتركة، وسياسات تأشيرات مرنة تشجع ألمع عقولها على العودة لفترات قصيرة للتدريس أو تقديم الاستشارات أو المشاركة في مشاريع استثمارية. ومن خلال السماح للعلماء والمهندسين بالحفاظ على انتماءات مزدوجة، يمكن للدول استيراد المعرفة ورأس المال دون إجبار المهنيين على التخلي عن حياتهم المهنية الدولية.

في النهاية، إن النظر إلى حركة المهنيين المتعلمين على أنها مجرد سرقة للموارد ذات محصلة صفرية يتجاهل الطبيعة المترابطة بعمق للاقتصاد العالمي الحديث. فالموهبة ليست مورداً طبيعياً محدوداً يُستخرج من الأرض، ويوضع في صناديق، ويُشحن بعيداً إلى الأبد. إنها قدرة بشرية ديناميكية تنمو بشكل كبير من خلال التعرض للشبكات العالمية، وبيئات البحث المتقدمة، والتعاون بين الثقافات. عندما تتوقف الدول عن التعامل مع هجرة المهرة كمأساة يجب منعها، وتبدأ في التعامل معها كأصل استراتيجي يجب إدارته، فإنها تفتح الباب أمام عالم ينتقل فيه رأس المال البشري بحرية. وبذلك، فإنها تثري الأفراد الذين ينتقلون، وترتقي بالمؤسسات التي تستقبلهم، وتجلب ابتكارات ورؤوس أموال غير مسبوقة إلى نفس المجتمعات التي غادروها في البداية.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Migration