ساحة المعركة الصامتة: كيف تعيد الأسلحة المستقلة تعريف الحرب قبل أن نتفق على القواعد

٢٨ مارس ٢٠٢٦

ساحة المعركة الصامتة: كيف تعيد الأسلحة المستقلة تعريف الحرب قبل أن نتفق على القواعد

عادة ما تكون صورة الروبوت القاتل من نسج الخيال العلمي، جندي معدني شبيه بالبشر يسير في ساحة المعركة. لكن الثورة الحقيقية في الحروب تحدث بهدوء أكبر بكثير. فهي لا تأخذ شكل إنسان آلي من أفلام هوليوود، بل شكل برامج ذكية مدمجة في الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الدفاع. هذا النوع الجديد من الأسلحة المستقلة، القادر على البحث عن الأهداف ومهاجمتها دون تحكم بشري مباشر، ينتقل الآن من المختبرات إلى خطوط المواجهة. هذا التطور يفرض على العالم مواجهة واقع لم يستعد له الكثيرون، وهو أن القرارات الأكثر حسماً في الحرب قد لا يتخذها القادة العسكريون قريباً، بل الخوارزميات.

هذا التحول يحدث بالفعل. ففي عام 2021، أشار تقرير للأمم المتحدة حول النزاع في ليبيا إلى أن طائرة مسيّرة تركية الصنع من طراز "كارغو-2"، وهي نوع من الذخائر المتسكعة، ربما تكون قد لاحقت و"هاجمت" جنوداً منسحبين في وضع مستقل تماماً. ورغم أن التفاصيل لا تزال محل خلاف، إلا أن الحادثة شكلت نقطة تحول محتملة، حيث قد تكون المرة الأولى التي يتم فيها توثيق قتل آلة لإنسان بناءً على ذكائها الاصطناعي الخاص. وتستثمر القوى العسكرية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، مليارات الدولارات في الحروب القائمة على الذكاء الاصطناعي، لقناعتها بأن سرعة الأنظمة المستقلة ستمنحها تفوقاً لا يمكن التغلب عليه. يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل بيانات أجهزة الاستشعار، وتحديد التهديد، وشن هجوم مضاد في أجزاء من الثانية، وهي دورة اتخاذ قرار لا يمكن للمشغل البشري مجاراتها ببساطة.

هذا التوجه نحو الاستقلالية مدفوع بمنطق قوي تفرضه الضرورة العسكرية. ففي عصر الصواريخ فرط الصوتية والحرب الإلكترونية المعقدة، تخشى الدول أن تصبح ضعيفة إذا اعتمدت أنظمتها الدفاعية على ردود الفعل البشرية البطيئة. وغالباً ما تُقدَّم الحجة في إطار السلامة، حيث يُقال إن الأنظمة المستقلة يمكن أن تكون أكثر دقة من الجنود البشر الذين يعانون من الإرهاق والخوف وسوء التقدير. ويرى المؤيدون أنه بإبعاد البشر عن القتال المباشر، يمكننا تقليل الخسائر في صفوف قواتنا. هذا المنطق يخلق زخماً قوياً، وربما لا رجعة فيه. وهو ما يخلق معضلة أمنية كلاسيكية: حتى لو ترددت دولة ما في تطوير هذه الأسلحة، فإنها تشعر بأنها مضطرة لذلك خوفاً من أن يحصل خصومها على تفوق حاسم.

لكن سباق التسلح التكنولوجي هذا يحمل مخاطر جسيمة تتجاوز ساحة المعركة المباشرة. الخطر الأكبر هو احتمال حدوث تصعيد كارثي غير مقصود. أظهرت المناورات الحربية والمحاكاة التي أجرتها مراكز أبحاث مثل "مؤسسة راند" مراراً وتكراراً أنه عندما تواجه الأنظمة المستقلة بعضها البعض، يمكن أن تخرج النزاعات عن السيطرة بسرعة الآلة. يمكن أن تفسر الخوارزميات المتنافسة مناوشة حدودية بسيطة بشكل خاطئ، مما يؤدي إلى سلسلة من الردود الآلية التي تتطور إلى حرب شاملة قبل أن يتمكن الدبلوماسيون حتى من إجراء اتصال هاتفي. في هذه البيئة فائقة السرعة، يختفي حيز التداول البشري وتهدئة التوترات والدبلوماسية.

علاوة على ذلك، تخلق الاستقلالية القاتلة فراغاً قانونياً وأخلاقياً. إن الإطار الكامل للقانون الإنساني الدولي، الذي يحكم سير الحروب، مبني على أساس المسؤولية البشرية. فمبادئ مثل التمييز (بين الجندي والمدني) والتناسب (ضمان ألا يكون الهجوم مفرطاً مقارنة بالهدف العسكري) تتطلب حكماً أخلاقياً معقداً ومراعياً للسياق. وليس من الواضح ما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي محاكاة ذلك حقاً. فإذا ارتكب سلاح مستقل خطأ وضرب مدرسة أو مستشفى، فمن يقع عليه اللوم؟ هل هو المبرمج الذي كتب الشفرة، أم القائد الذي نشر النظام، أم الشركة المصنّعة التي صنعته؟ "فجوة المساءلة" هذه تهدد بجعل جرائم الحرب مسألة أعطال برمجية، دون أن يكون هناك شخص مسؤول حقاً عن فقدان أرواح الأبرياء.

ويتفاقم التحدي بسبب خطر الانتشار. فبينما تقوم القوى العظمى حالياً بتطوير الأنظمة الأكثر تعقيداً، أصبحت التكنولوجيا الأساسية أرخص وأسهل في الحصول عليها. والاحتمال المرعب هو انتشار أسراب الطائرات المسيّرة المستقلة إلى جهات فاعلة من غير الدول أو الجماعات الإرهابية. ففي المستقبل القريب، قد تتمكن منظمة صغيرة من الحصول على القدرة على شن هجوم بآلاف الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنسقة التي يمكن أن تتغلب على دفاعات أي مدينة. وهذا يخفض بشكل كبير حاجز شن هجمات تسفر عن خسائر جماعية، مما يخلق تهديداً أمنياً عالمياً منتشراً ومستمراً.

لسنوات، ناقش الدبلوماسيون هذه القضية في الأمم المتحدة في جنيف، لكن التقدم كان بطيئاً للغاية. ويدفع تحالف عالمي من المنظمات غير الحكومية، تحت شعار "حملة لوقف الروبوتات القاتلة"، من أجل فرض حظر استباقي، على غرار المعاهدات التي تحظر الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. ويجادلون بضرورة الحفاظ على سيطرة بشرية حقيقية على قرارات الحياة والموت. وفي المقابل، قاومت القوى العسكرية الكبرى إبرام معاهدة ملزمة، مفضلةً مدونات سلوك غامضة لا تحد من تطويرها لهذه الأنظمة. والنتيجة هي طريق مسدود خطير، حيث تتقدم التكنولوجيا بسرعة أكبر بكثير من الدبلوماسية.

يمثل تطوير الأسلحة المستقلة أحد أهم التحولات الجوهرية في تاريخ الصراعات، ويُقارَن باختراع البارود أو القنبلة الذرية. فهو ليس مجرد سلاح جديد، بل نوع جديد من اللاعبين في ساحة المعركة، لاعب لا يشعر أو يخاف أو يشكك في الأوامر. لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كنا نستطيع تفويض القوة المميتة للآلات، بل حول ما إذا كان ينبغي لنا ذلك. إن نافذة وضع قواعد دولية واضحة، ورسم حدود صارمة، وضمان احتفاظ البشرية بالسيطرة النهائية على قرار الحرب، آخذة في الانغلاق. وإذا فشلنا في التحرك، فإننا نخاطر بخلق مستقبل تُشَن فيه الصراعات بوتيرة وحجم يتجاوزان الفهم والسيطرة البشرية، مع عواقب قد لا نتمكن من عكسها.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Conflict & War