كيف أصبح التجويع المتعمّد للمدنيين السلاح الأكثر فتكاً في الحروب الحديثة

٢٨ مارس ٢٠٢٦

كيف أصبح التجويع المتعمّد للمدنيين السلاح الأكثر فتكاً في الحروب الحديثة

عندما يفكر الجمهور العالمي في النزاعات المسلحة الحديثة، فإن الصور التي تتبادر إلى الذهن عادةً هي الطائرات المسيرة المتطورة، والضربات الصاروخية الدقيقة، والأرتال المدرعة التي تتقدم عبر الحدود المتنازع عليها. لقد اعتدنا على افتراض أن فتك الحروب يُقاس بالكامل بالقذائف والحمولات المتفجرة والاشتباكات العسكرية. ولكن هذا المفهوم الخاطئ الشائع يخفي حقيقة أكثر قتامة حول كيفية خوض حروب العصر الحديث والانتصار فيها. فالسلاح الأكثر فتكاً وفعالية المستخدم في الصراعات المعاصرة صامت تماماً، ويكاد لا يكلف شيئاً في تصنيعه، ونادراً ما يظهر في لقطات القتال على الخطوط الأمامية. هذا السلاح هو التجويع المتعمد والمدروس للسكان المدنيين.

لم يعد استخدام الجوع كسلاح مجرد نتيجة عرضية للفوضى اللوجستية، بل أصبح استراتيجية أساسية تتبعها الدول والجماعات المسلحة لكسر إرادة خصومها. وتُظهر البيانات التي جمعها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة باستمرار أن النزاعات لا تزال المحرك الأكبر لانعدام الأمن الغذائي الحاد في جميع أنحاء العالم، وهي المسؤولة عن دفع عشرات الملايين من الناس إلى ظروف شبيهة بالمجاعة. وهذا ليس مجرد نتيجة مأساوية لقطع سلاسل الإمداد بشكل عارض بسبب مرور الجيوش. في عام 2018، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2417، وهو قرار تاريخي أدان صراحة تجويع المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية كأساليب للحرب. ومع ذلك، وجد الباحثون الذين يراقبون أزمات الغذاء العالمية أنه على الرغم من هذا الاعتراف الدولي الرسمي، فإن الحرمان المتعمد من الموارد الأساسية قد ازداد وانتشر في السنوات التي تلت صدور القرار.

تعود الأسباب الكامنة وراء عودة حروب الحصار والمجاعات المصطنعة إلى حسابات استراتيجية وحشية. فبالنسبة للقادة العسكريين الذين يحاولون إخضاع منطقة متمردة أو تطهير أرض من سكانها، يعد التجويع وسيلة فعالة للغاية. فهو يتطلب إنفاقاً أقل بكثير على الأسلحة المتقدمة ونشر القوات مقارنة بالقتال التقليدي في المدن أو عمليات مكافحة التمرد. والتكتيكات المستخدمة لخلق هذا الجوع ممنهجة ومتعددة الأوجه. فالأطراف المتحاربة تحرق الحقول الزراعية بشكل روتيني، وتقصف محطات معالجة المياه، وتذبح الماشية لتدمير قدرة المجتمع على الاعتماد على نفسه. علاوة على ذلك، غالباً ما تعتمد آليات التجويع الحديثة على العنف البيروقراطي بدلاً من التدمير المادي. فمن خلال فرض الحصار وإغلاق الموانئ التجارية وتعطيل قوافل المساعدات الطارئة عمداً بعقبات إدارية لا نهاية لها، يمكن للأطراف المتحاربة أن تصنع مجاعة كارثية مع الحفاظ على غطاء من الإنكار. ويمكنها الادعاء بأن نقص الغذاء هو مجرد واقع مؤسف لمنطقة حرب، وليس استراتيجية متعمدة للهندسة الديموغرافية.

إن عواقب هذا الحرمان المصطنع كارثية وتستمر لفترة طويلة بعد إطلاق آخر رصاصة في أي صراع. ففي حين أن الرصاصة أو القنبلة تسبب صدمة فورية ومرئية، فإن التجويع يفكك المجتمع من الداخل. وقد وثّق الباحثون في مجالي الطب والاجتماع على نطاق واسع التأثير الذي يمتد لأجيال لسوء التغذية الحاد. فالأطفال الذين ينجون من فترات الجوع الطويلة غالباً ما يعانون من توقف النمو الجسدي والإدراكي بشكل لا يمكن علاجه، مما يغير مسار نموهم بشكل دائم. وهذا يعني أن الطرف المتحارب الذي يستخدم التجويع كتكتيك لا يهاجم الجيل الحالي من عدوه فحسب، بل يشل بشكل ممنهج رأس المال البشري والإمكانات الاقتصادية للمنطقة لعقود قادمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن اليأس الناجم عن النقص الحاد في الغذاء يعمل كمحرك هائل للنزوح القسري. فعندما يواجه المدنيون الواقع المؤلم المتمثل في رؤية عائلاتهم تتلاشى أمام أعينهم، يضطرون إلى هجر منازلهم، مما يحول الصراعات المحلية إلى أزمات لاجئين إقليمية تزعزع استقرار الدول المجاورة.

تتطلب مواجهة هذا الواقع القاتم تحولاً جذرياً في كيفية استجابة المجتمع الدولي للمجاعات التي يصنعها الإنسان. في الوقت الحالي، تميل المؤسسات العالمية إلى التعامل مع التجويع الناجم عن النزاعات في المقام الأول على أنه مأساة إنسانية وليس جريمة حرب يمكن الملاحقة عليها قضائياً. وعلى الرغم من أن المساعدات الإنسانية ضرورية للغاية، فإن معالجة الأعراض دون مواجهة الجاني تسمح لهذه الدائرة بالاستمرار. وبموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُعرَّف الاستخدام المتعمد لتجويع المدنيين كوسيلة للحرب على أنه جريمة حرب. ومع ذلك، لا تزال الملاحقات القضائية الفعلية لهذه الجريمة النادرة للغاية. ويقول الخبراء القانونيون ومنظمات حقوق الإنسان إنه لردع الأطراف المتحاربة عن استخدام الغذاء كسلاح، يجب على المجتمع الدولي أن يسعى بجدية إلى تحقيق المساءلة. وهذا يعني استخدام عقوبات اقتصادية موجهة ضد القادة السياسيين والعسكريين الذين يعرقلون بشكل واضح المساعدات الغذائية أو يأمرون بتدمير البنية التحتية الزراعية. إضافة إلى ذلك، يجب على القوى العالمية العمل على إنشاء آليات مراقبة مستقلة وسريعة الاستجابة قادرة على توثيق التدمير المتعمد للأنظمة الغذائية في الوقت الفعلي، مما يجرد الجناة من قدرتهم على الإنكار.

في نهاية المطاف، يمثل استمرار استخدام التجويع كتكتيك عسكري فشلاً ذريعاً للقانون الإنساني الدولي في التكيف مع واقع الحروب الحديثة. وما دام المجتمع الدولي يتعامل مع قصف مخبز أو حصار ميناء للحبوب بأقل قدر من الإلحاح مقارنة بنشر الأسلحة الكيميائية، سيظل التجويع أداة جذابة بشكل قاتم لأولئك الذين يسعون إلى السيطرة المطلقة. فالسلام لا يمكن قياسه بمجرد إسكات المدافع أو توقيع معاهدات ترسيم الحدود، بل يجب أن يُعرَّف باستعادة الأمن الإنساني الأساسي. وإلى أن يتم التعامل مع الحرمان المتعمد من الغذاء عالمياً بنفس العواقب القانونية والدبلوماسية الشديدة التي تُفرض على أبشع أعمال العنف العسكري، سيظل حصار معدة الإنسان هو السلاح الأكثر تدميراً وصمتاً في الحرب.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Conflict & War