إيران وأمريكا.. حرب الظل التي بدأت بالفعل
١٦ أبريل ٢٠٢٦
قد لا تبدأ الحرب القادمة بين إيران وأمريكا بإعلان رسمي، لأن فصولها تدور بالفعل. من الهجمات السيبرانية إلى الضربات بالوكالة، يتشكل صراع يرفض قادة البلدين الاعتراف به صراحة.
تصر واشنطن وطهران على أنهما لا تريدان الحرب. هذا هو الموقف الرسمي. لكن أصبح من الصعب تصديق هذا الكلام. فعبر الشرق الأوسط، وفي البحر، وعلى الإنترنت، ومن خلال الميليشيات الحليفة، تخوض الولايات المتحدة وإيران مواجهة مستمرة. هذه المواجهة تبدو كالحرب وتشبهها وتقتل مثلها، حتى لو لم يرغب أي من الطرفين في تحمل التكلفة السياسية لقول الكلمة بصوت عالٍ.
هذا هو الواقع الجديد للصراع الإيراني الأمريكي. إنه ليس غزواً واضحاً ولا إعلاناً دراماتيكياً من على منصة. بل هو صراع قذر يمكن إنكاره. يتكون من ضربات بالطائرات المسيرة، وتخريب سيبراني، وهجمات الميليشيات. ويشمل اغتيالات سرية، وشحنات أسلحة يتم اعتراضها، وضغوطاً في مياه الخليج، وسياسة حافة الهاوية المستمرة. الجزء الخطير ليس العنف بحد ذاته فقط، بل حقيقة أن الكثير منه يحدث في "المنطقة الرمادية". فهناك، يمكن للحكومتين التصعيد والإنكار في نفس الوقت.
لنلقِ نظرة على الخريطة. في العراق وسوريا، استهدفت جماعات مسلحة تدعمها إيران بشكل متكرر مواقع وأفراداً أمريكيين بالصواريخ والطائرات المسيرة. وفي عام 2024، قُتل ثلاثة جنود أمريكيين في هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة "البرج 22" في الأردن بالقرب من الحدود السورية. ردت واشنطن على ذلك بشن موجة من الغارات الجوية على مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والميليشيات الحليفة في العراق وسوريا. لم يكن ذلك مجرد نظرية، بل كان سلسلة مباشرة من الهجوم والانتقام، وكان هناك قتلى في قلب الأحداث. وأعلن البنتاغون عن قصف مراكز قيادة ومواقع استخبارات ومخازن أسلحة. وتوعدت الميليشيات بمزيد من المقاومة، واستمرت الدائرة.
في البحر، كان الضغط حقيقياً بنفس القدر. لدى إيران سجل طويل في احتجاز أو مضايقة السفن التجارية في الخليج ومضيق هرمز وحولهما. ويعتبر هذا المضيق أحد أهم نقاط الشحن في العالم. وأمضت البحرية الأمريكية سنوات في محاولة ردع هذه التحركات، بينما كانت ترافق حركة الملاحة وتستجيب لنداءات الاستغاثة. سبب قلق الأسواق العالمية بسيط: حوالي خُمس استهلاك النفط في العالم يمر عبر مضيق هرمز. عندما تلمح إيران إلى أنها تستطيع خنق هذا الشريان، فهي لا تلقي خطاباً، بل تضع يدها على عنق الاقتصاد العالمي.
ثم هناك الحرب التي لا يمكن لأحد تصويرها بوضوح: الصراع السيبراني. اتهم مسؤولون أمريكيون وحلفاؤهم قراصنة مرتبطين بإيران باستهداف شبكات المياه والشبكات الصناعية وقواعد البيانات الحكومية والبنية التحتية الحيوية. في المقابل، لطالما ألقت إيران باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في أعمال تخريب داخل حدودها، بما في ذلك عمليات سيبرانية وانفجارات غامضة في مواقع حساسة. وتبقى القضية الأشهر هي "ستكسنت"، وهو البرنامج الخبيث الذي عطل أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز النووية الإيرانية قبل أكثر من عقد. لقد وضع هذا الهجوم نموذجاً للصراع. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الرسالة واضحة: في هذه المعركة، يمكن أن تضرب لوحات المفاتيح بقوة الصواريخ، كما أن القدرة على الإنكار هي نصف قوة السلاح.
نموذج "المنطقة الرمادية" هذا هو بالضبط سبب انتشار الشائعات والاتهامات. كل انفجار غامض في موقع عسكري إيراني، وكل حريق مفاجئ في منشأة نفطية، وكل هجوم من قبل ميليشيا لا يؤدي إلى رد فعل واسع النطاق، يغذي نفس الشك في جميع أنحاء المنطقة: هناك دائماً ما يحدث أكثر مما يُقال للجمهور. بعض هذه الادعاءات تكون غريبة، وبعضها يستحيل التحقق منه. لكن المناخ الذي ينتجها ليس خيالياً، بل ينمو من عقود من العمليات السرية والتكتم والكشف الانتقائي للمعلومات من جميع الأطراف. عندما تبني الحكومات سياساتها على الإنكار المقبول، لا يجب أن تتفاجأ حين يفترض الناس وجود تستر على الحقائق.
الملف النووي يزيد من حدة الشعور بأن حرب الظل هذه يمكن أن تنفجر وتتحول إلى شيء أكبر بكثير. فقد ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراراً وتكراراً أن إيران وسعت تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز بكثير الحدود المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف رسمياً باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". بعد انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب وإعادة فرض العقوبات، تراجعت إيران تدريجياً عن التزاماتها. هذا القرار لم ينتج شرق أوسط أكثر نظافة وأماناً، بل ساهم في إنتاج الواقع الذي نراه أمامنا الآن: مزيد من التخصيب، ومزيد من التوتر الإقليمي، ومزيد من نشاط الميليشيات، وثقة أقل من ذي قبل.
كان من المفترض أن تجبر العقوبات إيران على الاستسلام. لكنها بدلاً من ذلك، زادت من حدة الصراع. لقد لحق ضرر كبير بالاقتصاد الإيراني، وتضررت عملتها، وأثر التضخم بشدة على العائلات العادية. لكن طهران لم تستسلم. بل تكيفت، واعتمدت أكثر على شبكاتها الإقليمية، وعمقت علاقاتها مع روسيا والصين، وواصلت إيجاد طرق لممارسة الضغط دون التسبب في حرب شاملة. هذه إحدى الحقائق الأكثر إزعاجاً في هذه القصة: سياسة "الضغوط القصوى" لم تقضِ على التهديد، بل غيرت شكله.
كانت التداعيات الإقليمية قاسية على المدنيين الذين لم يشاركوا في هذا الصراع. في العراق وسوريا، تعيش مجتمعات دمرتها سنوات الحرب تحت تهديد ضربات جديدة مرتبطة بصراع قوى أوسع. وفي اليمن، حولت حركة الحوثيين المرتبطة بإيران تعطيل الملاحة البحرية إلى سلاح جيوسياسي، مما أجبر شركات الشحن على تغيير مسار السفن بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل، وتأخير البضائع، وهزّ سلاسل التوريد. وفي لبنان، لا يزال احتمال نشوب حرب أوسع بين حزب الله وإسرائيل أحد أخطر المسارات التي يمكن أن تنفجر من خلالها أي مواجهة أمريكية إيرانية.
يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم يحاولون منع ذلك بالضبط. ويقول المسؤولون الإيرانيون نفس الشيء. لكن كلا الجانبين يواصلان استخدام أدوات تجعل الحوادث أكثر احتمالاً. هذا هو الفخ. فالحرب القابلة للإنكار تمنح القادة مرونة على المدى القصير، لكنها تملأ المنطقة أيضاً بجهات مسلحة وخطوط حمراء غير واضحة وقرارات تتخذ في أجزاء من الثانية. قد يخطئ قائد ميليشيا في حساباته، أو قد تُضرب سفينة بقوة أكبر من اللازم، أو قد يقرأ طاقم دفاع جوي صورة الرادار بشكل خاطئ، أو قد يتجاوز هجوم سيبراني هدفه. التاريخ مليء بالحروب التي بدأت بقادة كانوا يعتقدون أنهم ما زالوا يسيطرون على التصعيد.
هناك حقيقة أخرى مدفونة تحت الشعارات. لا يسيطر أي من الجانبين بشكل كامل على القوى التي تعمل باسمه. يمكن للولايات المتحدة أن تشن ضربات رادعة، لكنها لا تستطيع التنبؤ تماماً بكيفية رد فعل كل ميليشيا. ويمكن لإيران أن تدعي أن حلفاءها يتصرفون بشكل مستقل، لكن هذه الحجة تعمل في الاتجاهين: فالشبكات التي بنيت للتأثير يمكنها أيضاً أن تجر راعيها نحو كارثة. كلما أصبح ميدان المعركة مجزأً، أصبحت فكرة القيادة والسيطرة الكاملة أقل واقعية.
إذن، ما هو آخر تطور في الحرب الإيرانية الأمريكية؟ الجواب الأكثر صراحة هو أن الصراع ليس قادماً ببساطة. إنه هنا بالفعل، منتشر عبر جبهات تصفها الحكومات في جمل منفصلة لتجنب الاعتراف بالنمط العام. لم تعد حرب الظل قصة جانبية، بل أصبحت القصة الرئيسية.
الفضيحة الحقيقية ليست أن المنطقة غير مستقرة، بل أن عدم الاستقرار أصبح أمراً طبيعياً، يتم إدارته، ولا يُعترف به علناً. لا يزال المسؤولون يتحدثون كما لو أن الحرب حدث مستقبلي يمكن تجنبه بالرسائل الحذرة. ولكن عندما يُقتل الجنود، وتُحتجز الناقلات، وتطلق الميليشيات الطائرات المسيرة، وتخترق الوحدات السيبرانية البنية التحتية، وتستمر التوترات النووية في التصاعد، فإن القول بأن هذا ليس حرباً بطريقة ما يبدو أقل دبلوماسية وأكثر شبهاً بالمسرحية.
والمسرح أمر خطير في الشرق الأوسط. فهو يبقي المواطنين هادئين حتى وصول موجة الانفجار. وبحلول الوقت الذي يعترف فيه القادة إلى أي مدى وصلت حرب الظل، قد تكون المنطقة تعيش بالفعل المرحلة التالية.
Source: Editorial Desk