إيران: تحدي النساء اليومي يشعل حرباً ثقافية صامتة
١٥ أبريل ٢٠٢٦
التحول الأكبر في إيران ليس مجرد احتجاجات، بل هو تحدي القواعد اليومي الذي تمارسه النساء في المدن. ما كان استثنائياً أصبح الآن مشهداً معتاداً. وهذا التغيير أعمق بكثير من مجرد قوانين للملابس.
النظرة السطحية من الخارج لإيران تفترض أن المجتمع جامد حتى تندلع انتفاضة كبرى في الشوارع. لكن هذه القراءة تتجاهل ما يحدث على مرأى من الجميع. أحد أهم التحولات الحالية في البلاد هو تحول أكثر هدوءاً، ويصعب قياسه، لكن يستحيل تجاهله. لقد أصبح السلوك اليومي في الأماكن العامة ساحة معركة، وتحول التحدي العادي إلى قوة ثقافية.
أوضح مثال على ذلك هو ملابس النساء في الحياة العامة. فمنذ وفاة مهسا أميني عام 2022 أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، والتي أشعلت احتجاجات عارمة، لم يختفِ الصراع حول الحجاب الإلزامي بسبب الخوف، بل انتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. في أجزاء من طهران ومدن كبرى أخرى، استمرت نساء كثيرات في الظهور في الأماكن العامة دون غطاء رأس، خاصة في السيارات والمقاهي ومراكز التسوق والجامعات والأحياء الأكثر ثراءً. ومن يزعم أن هذا مجرد تغيير بصري بسيط فهو يخدع نفسه. في نظام بنى سلطته لسنوات على الامتثال الظاهري، فإن هذا الرفض الجماعي ليس مجرد تغيير شكلي، بل هو ثقافة سياسية تتجلى في تفاصيل الحياة العادية.
لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد النساء اللاتي يخرجن الآن بدون حجاب في الأماكن العامة، ويجب التعامل مع أي أرقام دقيقة بحذر. لكن الأدلة على حدوث تحول واسع ليست قليلة. فقد اعترف المسؤولون الإيرانيون أنفسهم مراراً بما يسمونه "مخالفات الحجاب". وشملت استجابات الدولة حملات لفرض القانون مجدداً، وإجراءات مراقبة، وإغلاق محال تجارية، ومقترحات قانونية لفرض قواعد اللباس. فالدولة لا تفرض عقوبات جديدة لمشكلة شبه معدومة، بل تفعل ذلك عندما يبدأ نظامها القديم في التراجع.
الأدلة الاجتماعية تتجاوز السياسات الرسمية. فمقاطع الفيديو من داخل إيران، رغم أنها ليست مقياساً مثالياً للواقع، أظهرت باستمرار وجوداً أوسع لنساء لا يرتدين الحجاب مقارنة بما كان شائعاً قبل عام 2022. كما وصفت التقارير الدولية من وسائل إعلام لديها مراسلون وخبرة إقليمية النمط نفسه. ووثقت منظمات حقوق الإنسان الاعتقالات والضغط على الشركات والاستخدام المتزايد للكاميرات والمراقبة الرقمية لضبط مظهر النساء. والنتيجة حقيقة واضحة: صحيح أن الدولة ما زالت تملك القوة لفرض القوانين، لكنها لم تعد تحظى بنفس الطاعة الثقافية السهلة.
وهذا مهم لأن الحجاب الإلزامي في إيران لم يكن أبداً مجرد قطعة قماش. لقد كان اختباراً للولاء العلني. كان علامة واضحة على أن الدولة يمكنها تحديد مفهوم الأخلاق في الشارع والفصل الدراسي والبنك ومترو الأنفاق والتجمعات العائلية. وعندما تبدأ أعداد كبيرة من الناس في تجاهل هذا المطلب في حياتهم اليومية، لا تعود القضية دينية أو قانونية فقط، بل تصبح أزمة في الشرعية الاجتماعية.
وهذا التحول لا تقوده فقط نخبة من النشطاء أو معارضة منظمة. بل تحمله الطالبات والعاملات والأمهات والبنات وصاحبات المتاجر وأشخاص قد لا ينتمون إلى أي حركة رسمية. وهذا ما يجعله قوياً. فالثورات نادرة، أما التآكل الثقافي فهو مستمر. يمكن لقاعدة أن تظل مكتوبة على الورق لفترة طويلة بعد أن تفقد سلطتها الأخلاقية في حياة الناس الذين يجبرون على العيش بموجبها.
الأسباب ليست غامضة. أولاً، كانت هناك صدمة أحداث عام 2022. أصبحت وفاة مهسا أميني صدمة وطنية لأن الكثير من الإيرانيين رأوا أنفسهم فيها. لقد حطمت هذه الحادثة الوهم القائل بأن السيطرة الاجتماعية الصارمة هي مجرد توجيه أخلاقي. بالنسبة للكثيرين، خاصة النساء والشباب، بدا الأمر وكأنه إذلال مدعوم بالقوة. ثانياً، إيران مجتمع شاب وحضري ومتصل بالعالم بشكل كبير. القيود على الإنترنت حقيقية، لكنها لم تعزل البلاد عن الثقافة العالمية والأزياء واللغة والأفكار حول الحرية الشخصية. ثالثاً، أدت سنوات من الضغوط الاقتصادية إلى تفاقم الغضب الشعبي. فقد جعل التضخم والبطالة والعقوبات الحياة اليومية أكثر صعوبة. في هذا الجو، تبدو الشرطة الأخلاقية هوساً من الدولة بمعركة في غير مكانها، لا فضيلة عامة.
وهنا تتجاوز القصة مسألة ملابس النساء لتصبح قصة ثقافية أوسع. فالمعايير الاجتماعية تنتشر كالعدوى. بمجرد أن يرى الناس آخرين يكسرون قاعدة وينجون، يضعف حاجز الخوف. وهذا يغير السلوك بطرق صغيرة ولكنها مهمة: نوع الموسيقى التي يشغلها الناس علناً، وكيفية تجمع المجموعات المختلطة، وما تتسامح معه الشركات، وما تتجادل بشأنه العائلات في المنزل، وما يعتقد الطلاب أنه يمكنهم قوله، وما يكبر الأشقاء الصغار وهم يرونه أمراً طبيعياً. فالمجتمع لا يتغير بالقوانين فقط، بل بالتكرار. فما يصبح شائعاً، يصبح من الممكن تخيله. وما يمكن تخيله، يصبح من الصعب التراجع عنه.
هناك رأي آخر يستحق أن يؤخذ على محمل الجد. فإيران ليست فقط شمال طهران. المواقف الاجتماعية تختلف بشكل كبير حسب الطبقة والمنطقة والعمر والتدين. ولا تزال الكثير من النساء الإيرانيات يرتدين الحجاب عن اختيار أو قناعة. كما تظل الكثير من العائلات محافظة اجتماعياً. ولا تزال الدولة تعتقل الناس وتضغط على المؤسسات وتملك أدوات قوية للمراقبة والعقاب. كل هذا صحيح. لكن لا شيء من ذلك يلغي الحقيقة المركزية: التوسع الواضح في عدم الامتثال في الحياة اليومية بالمناطق الحضرية حقيقي، ويشير إلى شرخ أعمق بين الثقافة الرسمية والثقافة المعاشة.
وقد بدأت العواقب في الانتشار بالفعل. تجد الشركات نفسها في خط المواجهة، حيث تعاقب أحياناً إذا خالف الزبائن أو الموظفون قواعد اللباس. وأصبحت الجامعات بؤراً للتوتر لأنها تجمع الشباب والطموح والمعارضة. كما تجد العائلات نفسها في مفاوضات خاصة متوترة حول السلامة والقيم والسمعة. والرجال معنيون بالأمر أيضاً، سواء كداعمين أو منفذين للقانون أو متفرجين أو أقارب قلقين. والنتيجة هي توتر اجتماعي، ولكنها أيضاً وضوح اجتماعي. فمسألة كانت تعتبر محسومة لم تعد كذلك.
هناك أيضاً درس أوسع لأي شخص يراقب إيران من الخارج. مستقبل البلاد لن يتقرر فقط بالانتخابات أو صراعات الأجنحة في السلطة أو الاحتجاجات الكبرى. بل سيتشكل أيضاً بما إذا كانت الدولة قادرة على الاستمرار في فرض سلوك يرفضه عدد متزايد من المواطنين عملياً. إعادة بناء السلطة الثقافية أصعب من إعادة بناء السلطة القانونية. يمكنك أن تملأ الشوارع بالدوريات، ويمكنك أن تفرض الغرامات والتهديدات والمراقبة. لكن ما لا يمكنك فعله بسهولة هو أن تجعل الناس يؤمنون بصدق مرة أخرى بقاعدة أصبحوا يشعرون أنها قسر وليست شرعية.
ما الذي يمكن أن يهدئ الأجواء؟ الإجابة الواضحة هي تلك التي قاومها النظام لسنوات: إنهاء الفرض الإلزامي للملابس والتوقف عن التعامل مع المظهر الشخصي كقضية أمن دولة. هذا لن يمحو الانقسامات الثقافية في إيران، بل سينقلها ببساطة من عالم الإكراه إلى المجال الذي تنتمي إليه، وهو الإقناع الاجتماعي والضمير الشخصي. بشكل أعم، سيتعين على المؤسسات الإيرانية أن تتعامل مع جيل شاب يريد الكرامة في حياته اليومية، لا رقابة مستمرة تحت ستار الأخلاق.
كان الافتراض القديم هو أن الخوف سيحافظ على الامتثال العلني إلى الأبد. هذا الافتراض يضعف شهراً بعد شهر. التطور الاجتماعي الأخير في إيران لا يتعلق فقط بما ترتديه النساء، بل بما يحدث عندما تستمر دولة في المطالبة بالطاعة الظاهرية بعد أن توقف الكثير من مواطنيها عن منحها القبول الأخلاقي. هذا ليس مزاجاً عابراً، بل هو نوع من التحول الثقافي الذي يدوم أطول من عناوين الأخبار، ويعيد كتابة تاريخ بلد بهدوء انطلاقاً من شوارعه.
Source: Editorial Desk