تجارة الغذاء العالمية.. صدمة واحدة تفصلها عن الفوضى
١٥ أبريل ٢٠٢٦
ينتج العالم ما يكفي من الغذاء، لكن مئات الملايين ما زالوا يجوعون. المشكلة الحقيقية تكمن في نظام عالمي هش يعتمد على عدد قليل من مراكز التصدير وممرات الشحن، ويمكن للقرارات السياسية أن تدمره بين عشية وضحاها.
لا يزال الناس يتحدثون عن الجوع كما لو أن العالم لا ينتج ما يكفي من الطعام. هذه خرافة مريحة. فهي تسمح للحكومات بإلقاء اللوم على الجفاف أو الحرب أو سوء الحظ ثم المضي قدماً. لكن الحقيقة الأصعب هي أن العالم ينتج ما يكفي من السعرات الحرارية لإطعام الجميع، ومع ذلك يظل نظام الغذاء العالمي هشاً بشكل خطير. والسبب هو أن الإنتاج والأسمدة والشحن والتجارة تتركز في أماكن قليلة جداً. وعندما يتصدع جزء واحد من هذا النظام، ينتشر الضرر بسرعة. لم يعد الجوع اليوم مجرد قصة ندرة، بل قصة اعتماد على الغير واختناقات وفشل سياسي.
الأرقام قاسية. تقدّر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) منذ فترة طويلة أن الزراعة العالمية تنتج طاقة غذائية كافية لسكان العالم، على الأقل من حيث الإجمالي. لكن تقارير الأمم المتحدة الحديثة أظهرت أيضاً أن مئات الملايين من الناس يواجهون الجوع أو انعدام الأمن الغذائي الشديد. ففي عام 2023، ذكر تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم" أن حوالي 733 مليون شخص واجهوا الجوع في ذلك العام. كما حذر برنامج الأغذية العالمي مراراً وتكراراً من أن النزاعات والصدمات الاقتصادية والظواهر المناخية المتطرفة تؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد في عشرات البلدان. هذا ليس تناقضاً، بل هو النظام الذي يكشف عن حقيقته: فعال على الورق، لكنه هش في الواقع.
يبدأ الضعف من التركيز الشديد. فهناك عدد صغير بشكل مفاجئ من البلدان يهيمن على المحاصيل والمدخلات الرئيسية. تتأثر صادرات القمح بشكل كبير بمنتجين مثل روسيا والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا وأوكرانيا والولايات المتحدة. كما تتركز صادرات الذرة والصويا أيضاً، حيث تلعب الولايات المتحدة والبرازيل وعدد قليل من الدول الأخرى أدواراً أكبر من حجمها. أما الأسمدة، فالوضع أكثر خطورة. تعتبر روسيا وبيلاروسيا موردين رئيسيين للبوتاس والمغذيات الأخرى. والمغرب له دور محوري في الفوسفات. وتؤثر أسعار الغاز الطبيعي، خاصة في أوروبا، بشكل مباشر على إنتاج أسمدة النيتروجين لأن الغاز مكون أساسي في صناعتها. إذا تعطل أي من هذه الروابط، يشعر المزارعون البعيدون عن الأزمة بآثارها في غضون موسم زراعي واحد.
جاء أوضح دليل على ذلك بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. لم تضر تلك الحرب بالبلدين فقط، بل هزت أسعار الخبز من شمال إفريقيا إلى جنوب آسيا. كانت أوكرانيا واحدة من أكبر مصدري الحبوب في العالم، وكانت كل من أوكرانيا وروسيا موردين رئيسيين للقمح والذرة وزيت عباد الشمس. وفجأة، تحول البحر الأسود إلى ساحة معركة ونقطة اختناق تجارية. ساعدت "مبادرة حبوب البحر الأسود" المدعومة من الأمم المتحدة لاحقاً في إعادة فتح بعض الشحنات، لكن الدرس الأكبر كان قاسياً وواضحاً: عندما يعتمد جزء كبير من العالم على ممر واحد، يمكن لحرب واحدة أن تصبح مشكلة غذاء للجميع.
لم يكن ارتفاع الأسعار مجرد أرقام. فقد رصد البنك الدولي ومؤسسات أخرى زيادات حادة في أسعار المواد الغذائية في العديد من الاقتصادات خلال عامي 2022 و 2023. في البلدان المعتمدة على الاستيراد، كانت الأسر التي تنفق بالفعل جزءاً كبيراً من دخلها على الطعام هي أول وأكثر من تضرر. وفي أماكن مثل مصر، حيث يحمل سعر الخبز وزناً سياسياً هائلاً، أصبح التوتر في سوق الحبوب قضية وطنية. وفي أجزاء من شرق إفريقيا التي كانت تعاني بالفعل من الجفاف والصراع، أدت تكاليف الاستيراد المرتفعة إلى تعميق حالة طوارئ كانت شديدة بالفعل. لم يأتِ الجوع من سبب واحد، بل من تصادم أزمات متراكمة.
ثم هناك الشحن، الجزء الأقل بريقاً والأكثر أهمية في هذه المنظومة بأكملها. فهناك عدد قليل من الطرق البحرية التي تنقل كمية هائلة من التجارة العالمية، بما في ذلك المواد الغذائية والمدخلات الزراعية. قناة السويس مهمة. البحر الأسود مهم. قناة بنما مهمة. فعندما أدى الجفاف إلى انخفاض منسوب المياه في بنما وفرض قيوداً على العبور، تعطلت جداول الشحن وارتفعت التكاليف. وعندما دفعت الهجمات في البحر الأحمر السفن للابتعاد عن طريق السويس، تغيرت أنماط الشحن مرة أخرى. كل التفاف يضيف وقتاً وتكاليف وقود وضغطاً على التأمين. يمكن للدول الغنية في كثير من الأحيان استيعاب هذا الألم، لكن الدول المستوردة الفقيرة لا تستطيع ذلك.
هنا تبدأ رواية السوق الحرة المعتادة في الانهيار. لقد أدت التجارة العالمية إلى خفض الأسعار وزيادة الوصول إلى الغذاء في العديد من الأماكن. هذا الجزء حقيقي. لكن الغذاء الرخيص المبني على التركيز الشديد ليس صموداً، بل هو مقامرة. قيل للدول لسنوات إن الشراء من الأسواق العالمية أذكى من الحفاظ على احتياطيات الحبوب العامة أو دعم بعض الإنتاج المحلي. وفي بعض الحالات، نجح هذا المنطق حتى وقوع أول صدمة خطيرة. عندها، فعل السوق ما تفعله الأسواق في حالة الذعر: فرض المصدرون قيوداً، وقفزت الأسعار، وتُركت الدول الضعيفة تكافح وحدها.
لقد رأينا ذلك أيضاً. خلال اضطرابات أسعار الغذاء في 2007-2008 ومرة أخرى بعد عام 2022، فرضت عدة حكومات قيوداً على الصادرات لحماية المستهلكين المحليين. هذا أمر مفهوم سياسياً، لكنه مدمر على الصعيد العالمي. الهند، على سبيل المثال، فرضت قيوداً على تصدير الأرز في السنوات الأخيرة في محاولة للسيطرة على الإمدادات والأسعار المحلية. واتخذت دول أخرى خطوات مماثلة بشأن القمح وزيت النخيل وسلع أساسية أخرى في أوقات مختلفة. كل خطوة تبدو منطقية داخل السياسات الوطنية، لكنها مجتمعةً تحوّل سوقاً تعاني من الضغط إلى سوق خطيرة.
وهناك حقيقة أخرى غير مريحة هنا. انعدام الأمن الغذائي لا يتعلق بالزراعة فقط، بل يتعلق أيضاً بالمال. فالبلدان التي تستورد الغذاء تحتاج إلى عملة أجنبية لدفع ثمنه. وعندما ترتفع أعباء الديون وتضعف العملات، يصبح شراء الغذاء أكثر صعوبة حتى لو كان متوفراً في السوق العالمية. لهذا السبب، غالباً ما تتزامن أزمات الغذاء مع الضغوط المالية. فالدول الأفقر ليست معرضة فقط لخطر فشل المحاصيل، بل هي معرضة أيضاً لأسعار الفائدة وأسعار الصرف وأسواق السندات. وهذه فضيحة تحدث أمام أعيننا.
العواقب أكبر من مجرد إحصائيات الجوع. يمكن لصدمات الغذاء أن تزعزع استقرار الحكومات، وتؤجج الاحتجاجات، وتزيد من ضغوط الهجرة. لا يدعم التاريخ الادعاء الساذج بأن أسعار الغذاء وحدها تسبب الانتفاضات، لكن من الواضح أنها تزيد من حدة الغضب السياسي عندما يشعر الناس بالفعل بأنهم محاصرون. أثارت أزمة الغذاء في 2007-2008 اضطرابات في عدة بلدان. كما كانت التكاليف المرتفعة للخبز والوقود جزءاً من الضغط الذي كان يتصاعد في عدة دول قبل انتفاضات الربيع العربي. فالغذاء ليس مجرد طعام، بل هو بقاء وكرامة وشرعية سياسية.
إذاً، ما الذي يجب أن يتغير؟ أولاً، على الدول أن تتوقف عن التظاهر بأن الكفاءة القصوى مرادفة للأمان. تنويع مصادر التوريد أمر مهم، وكذلك احتياطيات الحبوب الاستراتيجية، خاصة للدول التي تعتمد بشدة على الاستيراد. نوقشت فكرة إنشاء احتياطيات غذائية إقليمية لسنوات في أجزاء من إفريقيا وآسيا. تستحق هذه الأفكار استثماراً جاداً، وليس خطابات القمم التي لا تنتهي. ثانياً، يجب أيضاً تنويع إمدادات الأسمدة، إلى جانب استخدامها بذكاء أكبر. لقد دعت مؤسسات مثل البنك الدولي ومنظمة الفاو إلى تحسين كفاءة استخدام الأسمدة وإدارة التربة محلياً، لأن الاعتماد ببساطة على المدخلات الكيميائية المستوردة هو وصفة لتكرار الصدمات.
ثالثاً، تحتاج قواعد التجارة إلى مزيد من الصدق. في الأزمات، ستحمي الدول سكانها أولاً. هذا الواقع لن يتغير. لكن يمكن للمؤسسات الدولية على الأقل أن تضع ضوابط أوضح بشأن حظر التصدير، وتحسين الشفافية حول المخزونات والشحنات، وتمويل الواردات الطارئة للدول الضعيفة قبل أن يخرج الذعر عن السيطرة. رابعاً، على الدول الغنية والمقرضين أن يتعاملوا مع الأمن الغذائي باعتباره مرتبطاً بتخفيف الديون ودعم النقد الأجنبي. فمن السخف إلقاء محاضرات على الدول الفقيرة حول واردات الغذاء بينما هي تختنق تحت جداول سداد الديون وانهيار عملاتها.
النقطة الأخيرة هي التي يتجنبها السياسيون. العالم لا يعاني من مشكلة إنتاج بحتة، بل يعاني من مشكلة سلطة ونفوذ. فهذا النظام شديد التركيز يمنح نفوذاً هائلاً لعدد قليل من المصدرين وشركات الشحن وموردي الطاقة والجهات المالية. قد يبدو هذا فعالاً في السنوات الهادئة، لكنه يبدو متهوراً في الأوقات المضطربة. الصدمة القادمة لن تسأل عما إذا كان العالم يمتلك ما يكفي من الغذاء نظرياً، بل ستسأل عما إذا كان الغذاء يمكن أن يتحرك، وهل يستطيع المزارعون تحمل تكاليف المدخلات، وهل لا تزال الدول الفقيرة قادرة على الدفع. في الوقت الحالي، الإجابة الصادقة مقلقة: ليس بالقدر الكافي الذي يمكن الاعتماد عليه.
Source: Editorial Desk