الإنترنت أسرع من أي وقت مضى.. لكن انقطاعه اليوم يعني كارثة
٢ أبريل ٢٠٢٦
أصبح الإنترنت أسرع، لكن حياتنا اليومية أصبحت أكثر هشاشة. فاعتمادنا الكبير على الخدمات السحابية والهواتف يعني أن أي انقطاع بسيط يمكن أن يوقف أعمالنا ومدفوعاتنا وحركتنا.
يعتقد الكثير من الناس أن مشكلة الإنترنت الحديث قد تم حلها. فالسرعات أصبحت أعلى، وتغطية الهاتف المحمول أوسع، والخدمات السحابية تَعِدُ بوصول دائم من أي مكان تقريباً. الافتراض الشائع بسيط: البنية التحتية الرقمية تطورت لدرجة أن الأعطال لم تعد بتلك الأهمية. لكن الواقع يثبت العكس. قد يكون الإنترنت أسرع وأكثر قدرة، لكن المجتمع أصبح يعتمد بشدة على أنظمة مترابطة، حتى إن أي انقطاع قصير يمكن أن يسبب الآن أضراراً هائلة.
يظهر هذا التحول في الانقطاعات الكبرى التي تتصدر الأخبار والأعطال اليومية الصغيرة. في السنوات الأخيرة، أدت أعطال في كبرى شركات الخدمات السحابية إلى توقف أنظمة الدفع في المتاجر، وتطبيقات توصيل الطعام، وبرامج المكاتب، وخدمات المنازل الذكية، ومنصات التعليم عبر الإنترنت في عدة دول في وقت واحد. عندما تتعطل منطقة سحابية، لا تقتصر المشكلة على موقع إلكتروني واحد. بل يمكن أن تؤثر على المستشفيات التي تستخدم برامج مشتركة، والشركات التي تعتمد على تسجيل الدخول عن بعد، والأسر التي تتوقع أن يعمل كل شيء عبر تطبيق، من جرس الباب إلى أجهزة التدفئة. في عام 2021، تسبب انقطاع كبير في خدمة "فاستلي" (Fastly) في تعطيل أجزاء من مواقع إخبارية وحكومية وخدمات عالمية. وفي العام نفسه، لم يؤثر انقطاع طويل لفيسبوك على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل أثّر أيضاً على تطبيقات المراسلة وتواصل الشركات الصغيرة وتنظيم الأنشطة المجتمعية في أماكن كثيرة.
تُظهر الأبحاث أن هذا الاعتماد له تكلفة اقتصادية حقيقية. وجد معهد "أبتايم" (Uptime Institute) لأبحاث تكنولوجيا المعلومات مراراً أن الانقطاعات الخطيرة يمكن أن تكلف مئات الآلاف من الدولارات، وفي كثير من الحالات أكثر من مليون دولار، عند حساب الخسائر التجارية وتكاليف الإصلاح والأضرار التي تلحق بالسمعة. كما أظهرت دراسات لشركة "آي بي إم" (IBM) وغيرها أن توقف الخدمة لم يعد مشكلة تقتصر على البنوك الكبرى أو شركات الاتصالات. فقد امتد تأثيرها إلى المدارس والخدمات البلدية وشركات الخدمات اللوجستية والشركات الصغيرة التي تحولت بسرعة إلى الأدوات السحابية أثناء وبعد الجائحة. في المملكة المتحدة، أثرت انقطاعات الدفع بالبطاقات مراراً على المتاجر والركاب. وفي الهند وأجزاء من إفريقيا، أدت انقطاعات الإنترنت عبر الهاتف أو أعطال الشبكات إلى توقف المدفوعات والأنشطة التجارية لأشخاص يعتمدون غالباً على هواتفهم كبوابة رئيسية للاقتصاد الرقمي.
السبب ليس ببساطة أن الشبكات تتعطل أكثر من قبل. ففي نواح كثيرة، أصبحت أكثر مرونة. شبكات الألياف الضوئية (fiber) أقوى من أنظمة النحاس القديمة. وتستثمر كبرى شركات الخدمات السحابية بكثافة في الأنظمة الاحتياطية. كما تحسنت سعة شبكات الهاتف المحمول. المشكلة الأعمق هي التركيز. فجزء هائل من الحوسبة العالمية يعمل الآن عبر عدد قليل نسبياً من شركات الخدمات السحابية، ومزودي خدمات النطاقات، ومعالجي المدفوعات، وشبكات توصيل المحتوى، وأنظمة تشغيل الهواتف المحمولة. عندما تتعطل نقطة ضعف واحدة، يمكن أن تتوقف آلاف الخدمات التي لا علاقة لها ببعضها في آن واحد.
هذا التركيز له أسباب مفهومة. فالعمل على نطاق واسع يقلل التكاليف. وتساعد البنية التحتية المشتركة الشركات الصغيرة على الانطلاق بسرعة. ويمكن للأنظمة السحابية المركزية أن توفر أماناً أفضل من الخوادم المحلية سيئة الصيانة. والمستهلكون أيضاً يفضلون السهولة. فالناس يفضلون تسجيل دخول واحد، ومتجر تطبيقات واحد، ومحفظة دفع واحدة، ومنصة مراسلة واحدة. وتفضل الشركات البرامج التي تتكامل مع كل شيء آخر. مع مرور الوقت، تخلق هذه الخيارات نقاط ضعف خفية. فما يبدو متنوعاً على السطح قد يعتمد على نفس الأساس التقني في الخفاء.
تزداد المشكلة سوءاً مع تزايد الاعتماد على البرمجيات في أماكن كانت لديها بدائل يدوية. المطعم الذي كان يستخدم دفتراً ورقياً للحجوزات قد يعتمد الآن على جهاز لوحي سحابي. وشركة القطارات قد تستخدم تطبيقات للتحقق من التذاكر. والمستشفى قد يعتمد على سجلات وجداول مواعيد متصلة بالإنترنت. والمتجر قد تكون أرففه مليئة بالبضائع، لكن لا توجد طريقة لمعالجة المدفوعات الرقمية إذا تعطلت أنظمته. في السويد، حيث تنتشر المدفوعات الرقمية على نطاق واسع، ناقش مسؤولو البنك المركزي علناً مخاطر الاعتماد المفرط على الأنظمة الإلكترونية. وقد ظهرت مخاوف مماثلة في اقتصادات رقمية أخرى، حيث يمكن لمشكلة في الشبكة أن تتحول بسرعة إلى مشكلة في وصول الخدمات العامة.
ويضيف الأمن السيبراني طبقة أخرى من المخاطر. فليست كل الانقطاعات حوادث عرضية. هجمات برامج الفدية (Ransomware)، وهجمات حجب الخدمة، وأعطال سلسلة توريد البرمجيات يمكن أن توقف الخدمات حتى لو كانت البنية التحتية المادية سليمة. أظهر هجوم برنامج الفدية على خط أنابيب "كولونيال" (Colonial Pipeline) في الولايات المتحدة عام 2021 كيف يمكن لحادث رقمي أن يسبب اضطراباً حقيقياً وواضحاً، بما في ذلك الشراء المذعور ونقص الوقود. وفي الآونة الأخيرة، أظهرت الهجمات على المستشفيات والوكالات الحكومية أن توقف الخدمة ليس مجرد إزعاج. بل يمكن أن يؤخر العلاج، ويمنع الوصول إلى السجلات، ويعطل الوظائف العامة الأساسية.
هناك أيضاً تكلفة اجتماعية يسهل تجاهلها في النقاشات التقنية. فالناس الآن يستخدمون الأنظمة الرقمية كجزء أساسي من حياتهم اليومية، وليس كإضافات اختيارية. يتلقى الآباء إشعارات المدرسة عبر التطبيقات. ويسجل العمال حضورهم عبر أنظمة الهاتف المحمول. ويدخل المستأجرون المباني بأدوات وصول رقمية. وقد يعتمد المهاجرون على الاتصال عبر الإنترنت والمراسلة للتحدث مع عائلاتهم. أثناء الانقطاع، لا يتوزع الضرر بالتساوي. فقد يمتلك الأثرياء أجهزة احتياطية، أو خطط هاتف إضافية، أو وظائف مرنة. أما العمال ذوو الدخل المنخفض، وسائقو التوصيل، وأصحاب المتاجر الصغيرة، وسكان المناطق الريفية، فغالباً ما تكون قدرتهم على تحمل الاضطراب أقل. عندما يتوقف النظام، يكونون أول من يخسر الوقت والأجور والوصول إلى الخدمات.
الحل ليس في التخلي عن البنية التحتية الرقمية. ففوائدها كبيرة جداً وحقيقية. لقد ساعدت الخدمات السحابية الشركات الصغيرة على المنافسة، وسمحت باستمرار العمل عن بعد، وسرّعت من رقمنة الخدمات العامة. لكن المرونة يجب أن تصبح قضية تخدم المصلحة العامة، لا مجرد هدف هندسي خاص. يجب دفع الشركات للتصميم مع الأخذ في الاعتبار احتمالية الفشل، وليس فقط النمو. وهذا يعني توفير أوضاع عمل فعالة دون اتصال بالإنترنت، ووسائل اتصال احتياطية أفضل، وتقارير أوضح عن الانقطاعات، وتقليل الاعتماد على مورد واحد للخدمات الحيوية. ويمكن للحكومات المساعدة من خلال التعامل مع البنية التحتية الرقمية كغيرها من الأنظمة الأساسية. فشبكات الدفع وأنظمة الهوية والسجلات الصحية والوصول إلى الاتصالات كلها تحتاج إلى تخطيط استمرارية أقوى.
بدأ المنظمون بالتحرك في هذا الاتجاه. ففي أوروبا، يعد "قانون المرونة التشغيلية الرقمية" (Digital Operational Resilience Act) علامة على أن المشرعين يرون الآن في الأعطال الرقمية مخاطر نظامية، خاصة في القطاع المالي. وقد تحتاج قطاعات أخرى إلى تفكير مماثل. ويمكن للجهات الحكومية أيضاً أن تطلب من مقاولي البرمجيات الحيوية إثبات أنهم اختبروا خطط النسخ الاحتياطي والتعافي. فلا ينبغي للمدارس والمستشفيات وأنظمة النقل أن تكتشف أثناء الأزمة أن إجراءات الطوارئ الخاصة بها موجودة فقط على لوحة تحكم سحابية لم يعد بإمكانهم الوصول إليها.
للمستهلكين دور أيضاً، رغم أنهم لا يستطيعون حل مشكلة هيكلية بمفردهم. الاحتفاظ ببعض النقود، وحفظ المستندات المهمة دون اتصال بالإنترنت، ومعرفة طرق اتصال بديلة هي خطوات عملية. ويمكن للشركات تدريب الموظفين على الحلول اليدوية بدلاً من افتراض أن الشبكة ستعود دائماً في ثوانٍ. هذه دروس قديمة، لكنها أصبحت مهمة مرة أخرى لأن السهولة شجعت العديد من المؤسسات على نسيانها.
الأسطورة المركزية للاتصال الحديث هي أن التقدم يجلب الأمان تلقائياً. لكنه لا يفعل. إنترنت أسرع وأذكى وأكثر سلاسة يمكن أن يخلق أيضاً هشاشة أعمق عندما يعتمد الكثير على أنظمة لا يراها سوى قلة من الناس، ويتحكم فيها عدد أقل. التحدي الحقيقي للعصر الرقمي القادم ليس فقط بناء المزيد من التكنولوجيا. بل هو ضمان قدرة المجتمع على الاستمرار في العمل عندما تنطفئ هذه التكنولوجيا حتماً.
Source: Editorial Desk