سر قوة الموساد: التنظيم المحكم وليس الأساطير

١ أبريل ٢٠٢٦

سر قوة الموساد: التنظيم المحكم وليس الأساطير

الصورة الشائعة عن جهاز الموساد الإسرائيلي تبدو وكأنها من فيلم سينمائي. غالباً ما يوصف بأنه جهاز استخبارات ينجح لأنه أكثر جرأة وذكاءً وقسوة من الآخرين. هذه الرواية جذابة، لكنها أيضاً مبسطة للغاية. فسمعة الموساد لم تُبنَ على الغموض وحده، بل نشأت من بيئة وطنية خاصة، وعقيدة أمنية صارمة، ونموذج مؤسسي يكافئ الصبر بقدر ما يكافئ الجرأة.

سجل الجهاز حقيقي بالفعل. فقد لعب الموساد دوراً محورياً في أسر أدولف أيخمان في الأرجنتين عام 1960، وهي واحدة من أشهر العمليات الاستخباراتية في حقبة ما بعد الحرب. كما ارتبط اسمه طويلاً بعمليات سرية ضد جماعات مسلحة معادية وجهود تهدف لإبطاء برنامج إيران النووي. وفي السنوات الأخيرة، أشارت تقارير إعلامية أجنبية وتصريحات لمسؤولين سابقين مراراً إلى نجاح الاستخبارات الإسرائيلية في اختراق شبكات خصومها بعمق تكافح الكثير من الدول الكبرى للوصول إليه. ومع ذلك، غالباً ما يؤكد مؤرخو الاستخبارات ومحللو الأمن على نفس النقطة: لا تصبح الأجهزة فعالة بسبب الأساطير، بل بفضل الأنظمة التي تعمل بها.

أحد أسباب اعتبار الموساد ناجحاً على نطاق واسع هو أن إسرائيل تتعامل مع الاستخبارات كبنية تحتية أساسية للدولة، وليست وظيفة ثانوية. فمنذ تأسيسها عام 1948، عملت البلاد في ظل شعور دائم بالخطر. وقد خاضت حروباً متعددة مع دول مجاورة، وواجهت هجمات متكررة من جماعات مسلحة، وعاشت في ظل احتمالية العزلة الإقليمية. في تلك البيئة، لا تعتبر الإخفاقات في الإنذار المبكر مجرد مشاكل بيروقراطية، بل يمكن أن تتحول إلى صدمات وطنية. وأصبحت صدمة حرب أكتوبر 1973، عندما فوجئ القادة الإسرائيليون بتوقيت وحجم الهجمات المصرية والسورية، من أوضح الدروس حول تكلفة التهاون. لم تكن النتيجة هي الكمال، بل عادة مؤسسية عميقة تعتبر الاستخبارات ضرورية للبقاء.

هذه المنظومة الأوسع لا تقل أهمية عن الموساد نفسه. فنجاح إسرائيل الاستخباراتي مشترك بين عدة هيئات، بما في ذلك "أمان" (مديرية الاستخبارات العسكرية)، و"الشاباك" (جهاز الأمن الداخلي). يتولى الموساد الاستخبارات الخارجية والعمليات السرية، لكنه يستفيد من آلية وطنية أوسع تجمع المعلومات وتدققها وتتصرف بناءً عليها بسرعة. في الدول الصغيرة، يمكن أن يكون الحجم الصغير نقطة قوة، فسلاسل اتخاذ القرار أقصر، والتنسيق بين القادة العسكريين والسياسيين والاستخباراتيين يمكن أن يحدث بشكل أسرع. ولا يضطر التحذير دائماً للمرور عبر طبقات من البيروقراطية قبل أن يصل إلى القمة.

عامل مهم آخر هو الأهمية الكبرى التي توليها إسرائيل للاستخبارات البشرية. ففي عصر الأقمار الصناعية والأدوات السيبرانية والمراقبة الجماعية، اعتمدت حكومات كثيرة بشكل كبير على جمع المعلومات التقنية. تستخدم إسرائيل هذه الأدوات أيضاً، وقطاعها السيبراني معروف عالمياً. لكن السمعة الأقوى للموساد جاءت في كثير من الأحيان من تجنيد المصادر، وبناء هويات مزيفة، والعمل في الخارج، ومعرفة التفاصيل الاجتماعية التي لا تستطيع الآلات التقاطها بالكامل. الاستخبارات البشرية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر، وتتطلب مهارات لغوية، وفهماً ثقافياً، وصبراً، وقدرة على قراءة الناس. لكنها عندما تنجح، يمكن أن تكشف النوايا، وليس فقط القدرات.

وقد ساعد الهيكل الاجتماعي في إسرائيل على تغذية هذا النموذج. فالخدمة العسكرية الإلزامية خلقت تاريخياً مصدراً واسعاً للمواهب. وأصبحت وحدات النخبة العسكرية والإشارات ميادين تدريب لضباط الاستخبارات والتقنيين ورجال الأعمال في المستقبل. وكثيراً ما أشارت الأبحاث حول الابتكار الإسرائيلي إلى دور الشبكات العسكرية في بناء الثقة وثقافة حل المشكلات. عملياً، هذا يعني أن الأجهزة يمكنها الاعتماد على سكان لا يعتبرون العمل الأمني بعيداً عن الحياة المدنية. هذا التقارب له مزايا، رغم أنه يثير أيضاً مخاوف بشأن عسكرة المجتمع والرقابة المدنية.

الدعم السياسي جزء آخر من القصة. فالعديد من الديمقراطيات تقول إن الاستخبارات حيوية، لكنها بعد ذلك تقيد أجهزتها بأولويات متغيرة أو ميزانيات ضعيفة أو غموض قانوني. أما إسرائيل، فغالباً ما منحت أجهزتها الاستخباراتية أولوية استراتيجية عالية بشكل غير عادي. ويميل رؤساء الوزراء إلى رؤية العمل السري كأداة عملية في إدارة شؤون الدولة، خاصة عندما تكون الحرب التقليدية مكلفة للغاية أو الدبلوماسية بطيئة جداً. هذا لا يضمن الحكمة، لكنه يعني أن الموساد غالباً ما يعمل بنية سياسية أوضح من الأجهزة التي يخشى قادتها الفضيحة أكثر من الفشل.

يعتمد النجاح أيضاً على الاستعداد لتحديد النصر بأهداف ضيقة. فلا يُتوقع من الموساد أن يحل كل مشكلة استراتيجية. بل غالباً ما يُكلَّف بمهام مثل التأخير أو التعطيل أو الاختراق أو الردع. هذه أهداف محدودة، لكنها غالباً ما تكون قابلة للتحقيق. فإبطاء برنامج أسلحة لخصم ما لعدة أشهر أو سنوات يمكن أن يكون مهماً. ورسم خريطة لشبكة مسلحين قبل هجوم يمكن أن يكون مهماً. وبناء علاقات في دول لا توجد بها علاقات رسمية يمكن أن يكون مهماً. تبدو أجهزة الاستخبارات أكثر نجاحاً عندما يتم تأطير مهمتها بعبارات واقعية بدلاً من السعي لتحول شامل.

ومع ذلك، فإن أسطورة الانتصار الدائم تخفي إخفاقات خطيرة. فقد تعرضت الاستخبارات الإسرائيلية لإخفاقات مؤلمة، بما في ذلك مفاجآت استراتيجية وهجمات كشفت عن نقاط عمياء. وقد أعادت الصدمات الأمنية الأخيرة إثارة تساؤلات قديمة حول الثقة المفرطة، والتجزئة الداخلية، وخطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا أو الافتراضات السابقة. وهذا تصحيح مهم، فالجهاز يمكن أن يكون ذا قدرة عالية ومع ذلك يفشل فشلاً ذريعاً. في الواقع، السمعة القوية تخلق أحياناً خطراً خاصاً بها، فعندما يبدأ القادة والجمهور في الاعتقاد بأن جهازاً ما يرى كل شيء، يصبح من الأسهل تجاهل علامات التحذير.

هناك أيضاً ثمن أخلاقي وسياسي لنجاح الاستخبارات. فالعمل السري قد يشتري الوقت، لكنه نادراً ما يحل الصراع الذي أنتج التهديد. الاغتيالات المستهدفة والتخريب والتأثير السري يمكن أن تضعف الأعداء، لكنها يمكن أيضاً أن تعمّق دوامات الانتقام، وتوتر العلاقات الدبلوماسية، وتمحو الحدود القانونية. ولطالما جادلت جماعات حقوق الإنسان والباحثون القانونيون بأن بعض الأساليب الاستخباراتية تقوض سيادة القانون، خاصة عندما يحميها ستار السرية من التدقيق. بالنسبة لدولة ديمقراطية، لا تكمن المشكلة فقط في ما إذا كان العمل السري ناجحاً، بل في ما إذا كانت الدولة تستطيع السيطرة على العادات التي يخلقها هذا العمل.

هذا هو الدرس الأوسع للدول التي تنظر إلى الموساد بعين الحسد. فأداء الاستخبارات ليس شيئاً يمكن لحكومة استيراده مثل البرامج الجاهزة، بل هو ينمو من المؤسسات والتدريب والثقافة السياسية والثقة المجتمعية والهدف الواضح. كما أنه يعتمد على المساءلة. فالأجهزة الأكثر استدامة ليست تلك المحاطة بأكثف الأساطير، بل تلك التي يمكنها التشكيك في افتراضاتها الخاصة، واستيعاب الفشل، وإبقاء القادة السياسيين على اطلاع دون أن تصبح قانوناً بحد ذاتها.

إذا كان هناك سبب واحد لنجاح الموساد، فهو ليس الجرأة، بل التوافق. فقد بنت إسرائيل جهاز استخبارات مصمماً بدقة ليتناسب مع بيئة التهديدات التي تواجهها، وهيكل دولتها، وأولوياتها الوطنية. وقد أدى هذا التوافق إلى نتائج مذهلة، ولكنه أدى أيضاً إلى مخاطر متكررة. القصة الحقيقية أقل بريقاً من الأسطورة، فهي تدور حول التنظيم والانضباط ومجتمع قرر أن تكون الاستخبارات في قلب الحياة الوطنية. قد تكون هذه هي الحقيقة الأهم على الإطلاق، لأنها تحول قصة تجسس مثيرة إلى شيء أكثر جدية: درس في ما تصبح عليه الدول عندما يشكل انعدام الأمن كل ما تفعله تقريباً.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Analysis