الشهادة الجامعية لا تزال مهمة.. لكن وعود "النجاح السهل" تنهار
١ أبريل ٢٠٢٦

لسنوات طويلة، سمع الطلاب قصة بسيطة: احصل على شهادة، تعش حياة أفضل. لكن هذه القصة تنهار الآن أمام الجميع. في دول كثيرة، يقول الآباء والخريجون إن الجامعة "لم يعد لها قيمة هذه الأيام". فهم يرون شباباً جامعيين يعملون في وظائف لا تحتاج إلى تعليم عالٍ. ويرونهم يكافحون لدفع الإيجار، أو يغرقون في الديون حتى بعد بلوغهم سن الرشد. لكن المشكلة الأعمق ليست أن التعليم نفسه أصبح بلا قيمة. بل إن الوعد القديم المرتبط بالشهادة كان فضفاضاً، وغير مدروس، وبعيداً تماماً عما يحتاجه الطلاب بالفعل.
لا تزال الأدلة تؤكد أن التعليم العالي يجلب فوائد حقيقية. في الولايات المتحدة، تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل منذ فترة طويلة تفوق أصحاب البكالوريوس. فهم يواجهون معدلات بطالة أقل ويحققون أجوراً أعلى مقارنة بمن يملكون شهادة ثانوية فقط. ورغم أن فارق الأجور يتغير بمرور الوقت، إلا أنه يظل كبيراً. وفي بريطانيا، وجد معهد الدراسات المالية أن الخريجين يكسبون أكثر في المتوسط على مدار حياتهم. لكن هذه المكاسب تختلف بشدة حسب التخصص، والجامعة، والجنس. كما أظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التعليم الجامعي لا يزال مرتبطاً بمعدلات توظيف أعلى في الدول المتقدمة. بعبارة بسيطة، الشهادات لا تزال مهمة.
لكن هذه الأرقام تخفي وراءها حقيقة مزعجة. فالكثير من الطلاب لا يحققون هذا العائد "المتوسط". في التقارير السنوية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، يشكو عدد كبير من الجامعيين من ضغوط مالية مستمرة. وفي دول عدة، أصبح عمل الخريجين في وظائف أقل من مؤهلاتهم مشكلة معقدة. وقد أظهرت أبحاث سوق العمل الأمريكي أن العديد من الخريجين يبدأون حياتهم المهنية في وظائف لا تتطلب شهادة. ومن يبقى في هذه الوظائف لفترات طويلة غالباً ما يعاني من ضعف في الأجور يستمر طويلاً. باختصار، قد تفتح الشهادة باباً، لكنه ليس دائماً الباب الصحيح، ولا يُفتح بالسرعة المطلوبة.
هذه الفجوة بين التوقعات والواقع تفسر سبب تراجع ثقة الناس. المشكلة لا تقتصر على الرسوم الدراسية فقط، بل تتعلق أيضاً بعدم التوافق. فقد توسعت الجامعات في فترة كان يُنظر فيها للتعليم كحل سحري للتغيرات الاقتصادية. لكن أسواق العمل تغيرت بسرعة فاقت استجابة الكثير من الجامعات. يطلب أصحاب العمل اليوم مهارات رقمية، وقدرة على حل المشكلات، وعملاً جماعياً، ومرونة، وخبرة عملية. في المقابل، يدرس الكثير من الطلاب برامج لا تربطهم ببيئة العمل الحقيقية. ويحصلون على توجيه مهني ضعيف ومعلومات محدودة عن أجور كل تخصص. وعندما يتخرج الطالب وهو يملك المعرفة ولكن يفتقد للمهارات التي يثق بها أصحاب العمل، يظهر الإحباط.
هذا التخبط يظهر بوضوح في التخصصات التي تعاني من تكدس الخريجين. في الهند مثلاً، أصبح مصطلح "بطالة المتعلمين" شائعاً جداً. فهناك أعداد هائلة من الخريجين يتنافسون على عدد محدود من الوظائف الرسمية الآمنة. طوابير الامتحانات الحكومية، والمحاولات المتكررة، وتأخر التوظيف، حولت الشهادات إلى مجرد "فترة انتظار" للشباب بدلاً من كونها محركاً للنجاح. وفي أجزاء من جنوب أوروبا، تسببت أزمة منطقة اليورو في بطالة الشباب. وظل حتى الشباب المتعلمون تعليماً عالياً ينتظرون سنوات للحصول على عمل مستقر. في مثل هذه الظروف، لا تكون الشكوى من فقدان قيمة الشهادة مجرد كلام نظري، بل تعكس واقعاً يومياً يعيشونه.
التكلفة المادية جعلت تجاهل المشكلة أصعب. في الولايات المتحدة، تجاوزت أرصدة قروض الطلاب 1.7 تريليون دولار قبل قرارات الإعفاء الأخيرة. فحتى الخريجون الذين يستفيدون أخيراً من دراستهم، يمرون بطريق مالي قاسٍ. فالشهادة التي تؤتي ثمارها بعد 15 عاماً، تبدو بلا قيمة لشاب عمره 23 عاماً تلاحقه فواتير القروض الشهرية. أما في الدول ذات الرسوم الدراسية المنخفضة، فيظهر الضغط بطرق أخرى. يشمل ذلك تكاليف السكن، والتدريب غير المدفوع، وسوق عمل يطلب شهادات إضافية فوق الشهادة الجامعية. والنتيجة هي شعور دائم بأن خط النهاية يبتعد باستمرار.
هناك أيضاً مشكلة في الجودة تباطأت أنظمة التعليم في مواجهتها. فليست كل الشهادات تقدم نفس التدريب أو الدعم أو العائد المالي. أظهرت أبحاث مركز التعليم والقوى العاملة بجامعة جورج تاون مراراً وجود فروق كبيرة في الأجور حسب التخصص. غالباً ما تحقق تخصصات التكنولوجيا والهندسة والرياضيات والصحة، وبعض برامج الأعمال، نتائج أفضل في بداية المسار المهني. وهذا لا يعني أن الفنون أو العلوم الإنسانية والاجتماعية بلا قيمة. بل يعني أن الجامعات تتهرب غالباً من إعطاء الطلاب معلومات صادقة وواضحة عن مستقبلهم وفرصهم. يُطلب من الشباب اتخاذ قرارات مصيرية في ظل شفافية أقل بكثير مما يحصلون عليه عند شراء سيارة مستعملة.
العواقب الاجتماعية لهذا الوضع خطيرة. فعندما يشعر الخريجون بالخداع، تتراجع ثقتهم في المؤسسات. وتصبح العائلات أكثر قلقاً وإحباطاً. قد يقرر الطلاب من الأسر ذات الدخل المحدود أن التعليم العالي مخاطرة كبيرة، حتى لو كان سيفيدهم. هذه مشكلة عامة، وليست مجرد خيبة أمل شخصية. لطالما سُوق التعليم على أنه طريق نحو العدالة. وإذا بدا النظام وكأنه مقامرة تكافئ أصحاب النفوذ وتعاقب الحذرين، فإن مجرد توفير فرصة التعليم لم يعد كافياً.
هذا الوضع يغير شكل الحياة الجامعية أيضاً. أصبح الكثير من الطلاب يختارون تخصصاتهم بحذر شديد. فهم يفضلون التخصصات التي يعتقدون أنها ستدر عليهم المال، حتى لو كان ذلك على حساب شغفهم الفكري. ويعمل طلاب آخرون لساعات طويلة بجانب الدراسة. هذا يقلل من وقتهم للتعلم أو التدريب أو بناء العلاقات التي تساعدهم في الحصول على وظائف أفضل. فالمزايا الخفية للحياة الجامعية، مثل التوجيه وبناء الثقة والعلاقات والخبرة العملية، تبقى في الغالب أسهل وصولاً للطلاب الأغنياء. وهذا يعمق عدم المساواة، حتى لو بدت الفصول الدراسية متاحة للجميع أكثر من الماضي.
الحل ليس إعلان "موت" التعليم الجامعي. الحل هو التوقف عن التعامل مع كل الشهادات على أنها متساوية، ومع كل الطلاب وكأنهم يواجهون نفس المخاطر. يمكن للحكومات والجامعات بذل جهد أكبر لنشر بيانات واضحة حول أجور كل تخصص ومعدلات التخرج وفرص العمل. ويمكن للجامعات بناء علاقات أقوى مع أصحاب العمل، دون أن تتحول لمجرد مراكز تدريب ضيقة. برامج التدريب العملي، والتلمذة الصناعية، والشهادات المهنية القصيرة يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع الشهادات التقليدية بدلاً من منافستها. أثبتت ألمانيا وسويسرا منذ فترة طويلة أن المسارين المهني والأكاديمي ليسا أعداء. وكلاهما يمكن أن يحظى بمكانة محترمة إذا بُني النظام بشكل صحيح.
كما يجب على المدارس تهيئة الطلاب مبكراً لواقع أكثر تعقيداً. لا ينبغي أن يبدأ التوجيه المهني في السنة الأخيرة من الثانوية. يحتاج المراهقون إلى معلومات أوضح حول سوق العمل، والديون، والمهارات المطلوبة، والمسارات البديلة. يشمل ذلك التعليم الفني، وكليات المجتمع، والشهادات المهنية المتدرجة. فالنظام التعليمي الصحي لا يدفع كل الطلاب نحو نفس الطريق. بل يساعدهم على الاختيار بحكمة، بكرامة، وبناءً على أدلة حقيقية.
القول بأن الشهادة الجامعية فقدت قيمتها تماماً هو حكم قاسٍ وغير دقيق. لكنه يحمل تحذيراً لا ينبغي للمسؤولين تجاهله. فالشهادة لا تزال ذات قيمة في حالات كثيرة. ما ضعف حقاً هو "العقد الاجتماعي" المرتبط بها؛ وهو الإيمان بأن التعليم العالي سيكون في المتناول، وصادقاً، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالفرص الحقيقية. إذا لم يُعد بناء هذا العقد، فستتوقف المزيد من العائلات عن اعتبار الجامعة سُلماً للنجاح. وسيبدأون في رؤيتها كمقامرة مكلفة. وعندما يحدث ذلك، لن يفقد التعليم مكانته فقط، بل سيفقد الثقة أيضاً. واستعادة الثقة أمر أصعب بكثير.