التسابق لتجاوز النظام المالي الغربي يصدّع النظام الاقتصادي العالمي

٣٠ مارس ٢٠٢٦

التسابق لتجاوز النظام المالي الغربي يصدّع النظام الاقتصادي العالمي

عندما نتخيل القوة العالمية، عادة ما نفكر في حاملات طائرات تبحر في مضايق متنازع عليها، أو قواعد عسكرية مقامة في صحاري أجنبية. نفترض أن هيمنة القوى العظمى هي في الأساس مسألة قوة مادية ونفوذ جغرافي. لكن المعركة الجيوسياسية الأهم في هذا العقد لا تُخاض بالمدفعية أو الطائرات الشبح، بل تدور رحاها عبر القنوات الهادئة وغير المرئية للنظام المالي العالمي. لأكثر من نصف قرن، كان الدولار الأمريكي بمثابة مركز الجاذبية الأوحد للتجارة العالمية. أما الآن، فهناك جهد منسق من دول منافسة لتجاوز الشبكات المالية الغربية، وهو ما يصدّع بهدوء النظام الاقتصادي العالمي.

لعقود من الزمان، بدا الافتراض بأن الدولار سيظل العملة الأساسية في العالم وكأنه قانون طبيعي لا يتزعزع. لكن البيانات الحديثة تكشف عن تحول واضح وسريع. فبحسب مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية حول العالم أكثر من ألف طن من الذهب في عامي 2022 و2023، وهو ما يمثل أعلى مستويات تراكم الذهب السيادي منذ أواخر الستينيات. وفي الوقت نفسه، ارتفع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية بشكل كبير. تُجري الصين وروسيا الآن الغالبية العظمى من تجارتهما الثنائية بالروبل واليوان بدلاً من الدولار. وفي عام 2023، وضعت الهند والإمارات العربية المتحدة إطاراً لتسوية المعاملات مباشرة بالروبية والدرهم. حتى إن تكتل "بريكس" للاقتصادات الناشئة ناقش علناً تطوير آليات دفع بديلة عبر الحدود لتجاوز شبكة "سويفت" للمراسلات، وهي نظام الاتصالات الحيوي الذي يربط البنوك عالمياً لكنه يظل تحت تأثير كبير من واشنطن وبروكسل.

لم يكن الدافع وراء هذا التسارع المفاجئ اقتصادياً بحتاً، بل كان استراتيجياً في العمق. فعندما ردت الدول الغربية على غزو أوكرانيا في عام 2022 بتجميد مئات المليارات من الدولارات من احتياطيات البنك المركزي الروسي، وإخراج البنوك الروسية الكبرى من نظام "سويفت"، أطلقت سلاحاً مالياً غير مسبوق. ورغم أن هذه الخطوة كانت تهدف إلى شل اقتصاد في حالة حرب، إلا أنها أرسلت موجة صدمة عميقة عبر عواصم دول الجنوب العالمي. أدركت الدول غير المنحازة تماماً للغرب فجأة مدى ضعفها. رأت أن ثرواتها السيادية وقدرتها على إجراء التجارة الدولية الأساسية يمكن أن تُشل بين عشية وضحاها إذا وجدت نفسها في أي وقت في مواجهة دبلوماسية مع واشنطن. هذا الإدراك حوّل المفهوم النظري للابتعاد عن الدولار إلى مسألة أمن قومي ملحة للقوى الناشئة. وهي لا تحاول بالضرورة تدمير العملة الأمريكية، لكنها تبني بسرعة "قوارب نجاة" لتضمن قدرتها على البقاء إذا تم إقصاؤها يوماً ما من السفينة المالية الغربية.

تمتد عواقب هذا التفتت المالي إلى ما هو أبعد من أسعار صرف العملات والتفاصيل الفنية المصرفية. فمع نضوج شبكات الدفع البديلة، بدأت القوة القسرية للعقوبات الاقتصادية الغربية تتآكل. فإذا تمكنت دولة مستهدفة من توجيه تجارتها الحيوية ببساطة عبر نظام مالي موازٍ، فإن تلك العقوبات تفقد تأثيرها. وهذا يجرد الترسانة الدبلوماسية الغربية من إحدى أكثر أدواتها فعالية وغير العنيفة. علاوة على ذلك، يهدد هذا الاتجاه بتقسيم الاقتصاد العالمي إلى تكتلات متميزة ومتنافسة. وجود نظام مالي مجزأ يعني تكاليف معاملات أعلى للشركات العالمية، وزيادة التقلبات في أسواق السلع، ومشهداً معقداً للغاية للشركات متعددة الجنسيات التي ستضطر للتعامل مع أنظمة امتثال متضاربة. كما يمهد الطريق لعالم متعدد الأقطاب يمكن فيه للقوى الإقليمية الكبرى أن تمارس نفوذاً هائلاً على جيرانها الأصغر عبر منحهم وصولاً حصرياً إلى شرايين الحياة المالية الجديدة وغير الغربية.

يتطلب التعامل مع هذا المشهد المتغير تحولاً جوهرياً في كيفية استخدام القوى الغربية لنفوذها الاقتصادي. ولمنع هجرة جماعية من الهيكل المالي العالمي القائم، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها أن يبدأوا في التعامل مع العقوبات المالية كمورد محدود، لا كمجرد رد فعل دبلوماسي تلقائي. فالإفراط في استخدام هذا السلاح لا يؤدي إلا إلى تسريع تطوير حلول بديلة. علاوة على ذلك، يجب إصلاح المؤسسات القائمة التي تحكم الاقتصاد العالمي بقوة، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تحتاج الاقتصادات الناشئة إلى حصة تصويت ونفوذ في السياسات يعكسان وزنها الاقتصادي الحديث فعلياً. فإذا شعرت القوى الصاعدة بأن لها صوتاً حقيقياً ومحترماً في النظام الحالي، فسيقل دافعها لهدمه أو بناء شبكة منافسة. ويجب على البنوك المركزية الغربية أيضاً تسريع تطوير ابتكارات دفع آمنة وفعالة عبر الحدود، لضمان أن يظل النظام القديم أسرع وأرخص وأكثر موثوقية من أي بديل يتم إنشاؤه حديثاً.

إن وهم بقاء أي عملة أو شبكة دفع واحدة محصنة بشكل دائم ضد الجاذبية الجيوسياسية يتلاشى الآن. نحن نشهد نهاية حقبة كانت فيها مجموعة واحدة من القواعد المالية تحكم العالم بأسره بشكل تلقائي. ومع تجذّر الأنظمة الاقتصادية الموازية، يُعاد رسم خريطة القوة العالمية، لا بتحريك الحدود، بل بإعادة كتابة دفاتر التجارة الدولية. لم تعد هيمنة القوى العظمى في العصر الحديث حكراً على الدولة التي تملك أقوى جيش، بل ستكون بشكل متزايد للدولة التي يمكنها إقناع بقية العالم بالاستمرار في استخدام قنواتها المالية.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Geopolitics