مستقبل الأمن العالمي يعتمد على خيوط زجاجية هشة في قاع المحيط
٢٨ مارس ٢٠٢٦

انظر إلى السماء، وقد تظن أن مستقبل الاتصالات العالمية مرسوم في النجوم. ومع الانتشار السريع لشبكات الأقمار الصناعية التجارية، والحديث العام الذي لا ينتهي حول السحابة الإلكترونية غير المرئية، تمكن الخيال الشعبي بنجاح من فصل الإنترنت عن كوكب الأرض. الافتراض السائد هو أن بياناتنا تطفو بحرية فوق الحدود، ومحصنة تماماً ضد النزاعات الإقليمية في الماضي. نحن نتخيل عالماً لاسلكياً تحكمه شبكات مدارية. ومع ذلك، فإن هذه النظرة السماوية للاتصال هي نظرة معكوسة تماماً. فساحة المعركة الجيوسياسية الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست في الغلاف الجوي، بل ترقد بهدوء في الأعماق الباردة والمضغوطة في قاع المحيط.
تنتقل ما يقرب من 99 في المئة من جميع حركات المرور الرقمية العابرة للقارات عبر كابلات بحرية مادية. ويشمل هذا التدفق الصامت للضوء تريليونات الدولارات من المعاملات المالية اليومية، والاتصالات العسكرية المشفرة، والبيانات المدنية. ووفقاً لبيانات التتبع الصادرة عن مؤسسة "تيلي جيوغرافي" (TeleGeography)، وهي شركة أبحاث متخصصة في الاتصالات المحيطية، يوجد اليوم أكثر من 500 كابل بحري نشط أو قيد التخطيط تتقاطع في جميع أنحاء العالم. وتشكل خطوط الألياف الضوئية هذه، التي غالباً لا يتجاوز سمكها سمك خرطوم حديقة عادي، العمود الفقري المادي الهش للاقتصاد العالمي الحديث. وعندما أدى ثوران بركاني هائل تحت الماء إلى قطع الكابل الدولي الوحيد الذي يربط دولة تونغا الواقعة في المحيط الهادئ ببقية العالم في أوائل عام 2022، غرقت البلاد في انقطاع رقمي واقتصادي شبه تام لأكثر من شهر. لم يتمكن المواطنون من استلام التحويلات المالية من الخارج، وتعذر على الشركات معالجة المعاملات، وواجه المسؤولون الحكوميون صعوبة في تنسيق جهود الإغاثة من الكوارث. وقد قدم هذا الحادث لمحة قاسية ومدمرة عما يحدث عندما تنهار البنية التحتية المادية للعصر الرقمي بشكل مفاجئ.
ينبع الاعتماد العميق على شرايين أعماق البحار هذه من قوانين الفيزياء والاقتصاد الصارمة. ففي حين توفر الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض وصولاً حيوياً للمناطق النائية والريفية، إلا أنها لا تستطيع ببساطة مجاراة السعة الهائلة للنطاق الترددي، أو السرعة، أو الكفاءة من حيث التكلفة التي تتمتع بها الألياف الضوئية. فالضوء الذي ينتقل عبر الزجاج تحت الأمواج أكثر كفاءة بأضعاف مضاعفة من الإشارات اللاسلكية التي ترتد عبر الغلاف الجوي. ونتيجة لذلك، تنخرط الدول المتنافسة وشركات التكنولوجيا الضخمة في سباق هادئ لمد خطوط جديدة، مما يخلق خريطة تحت مائية تشهد منافسة شرسة. وتاريخياً، كانت تحالفات من شركات الاتصالات الوطنية تمتلك هذه الكابلات، مما ضمن توازناً في مصالح الدول. ومع ذلك، حدث تحول عميق على مدى العقد الماضي. وتكشف بيانات التحليلات الحديثة للقطاع أن عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل وميتا ومايكروسوفت يمتلكون أو يستأجرون الآن أكثر من نصف سعة النطاق الترددي البحري في جميع أنحاء العالم. وتعني هذه الخصخصة السريعة للبنية التحتية العالمية أن المصالح المالية للشركات تتشابك بشكل متزايد مع أولويات الأمن القومي، مما يخلق شبكة معقدة حيث تجد الدول ذات السيادة نفسها مضطرة بشكل غير متوقع للاعتماد على شركات خاصة لحماية اتصالاتها الأكثر حساسية من التجسس.
إن عواقب هذا الواقع المادي هائلة، إذ تحول قيعان المحيطات الغامضة إلى نقاط اختناق جيوسياسية شديدة الضعف. وكما يتحكم مضيق هرمز في تدفق النفط العالمي، تملي الممرات البحرية الضيقة الآن تدفق المعلومات العالمية. فمصر، على سبيل المثال، تعمل كجسر بري حيوي يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر؛ حيث يجب أن يمر كم هائل من البيانات المتدفقة بين أوروبا وآسيا عبر هذا العنق الجغرافي الوحيد. وفي أوائل عام 2024، أدت اضطرابات كبيرة في عدة كابلات في منطقة البحر الأحمر إلى تباطؤ ملحوظ في الإنترنت عبر قارات بأكملها، مما سلط الضوء على الهشاشة العميقة لهذه المسارات المركزة. وقد حذر محللو الدفاع والاستراتيجيون البحريون مراراً من أن الكابلات البحرية تفتقر للدفاعات بشكل ملحوظ. فيمكن لدولة معادية أو جهة فاعلة من غير الدول، مجهزة بتكنولوجيا غواصات أساسية، أو حتى سفينة تجارية مارقة تتصرف مع إمكانية الإنكار، أن تغرق الدول المنافسة في فوضى مالية. وسيكون الأثر الاقتصادي لمثل هذا الحدث كارثياً. فقد قدرت الدراسات التي تقيم المخاطر الوطنية أن هجوماً منسقاً على الكابلات التي تنتهي في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة يمكن أن يجمد معاملات غرف المقاصة في غضون ساعات، مما يقطع الوصول إلى شبكة "سويفت" المصرفية، ويوقف سلاسل التوريد العالمية، ويشل الأسواق المحلية.
يتطلب تأمين هذه البنية التحتية غير المرئية تحولاً جذرياً في كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الأمن البحري. فالاعتماد على شساعة المحيط الهائلة لتوفير الحماية لم يعد موقفاً استراتيجياً قابلاً للتطبيق. ويجب على الحكومات أن تمنح الأولوية القصوى لتنويع مسارات الكابلات للقضاء على نقاط الفشل الأحادية. وتمثل المبادرات الرامية لمد كابلات جديدة عبر المحيط المتجمد الشمالي، الذي أصبح قابلاً للملاحة بشكل متزايد بسبب تراجع الجليد البحري، أو عبر جنوب المحيط الأطلسي لربط أمريكا الجنوبية مباشرة بأفريقيا، خطوات ضرورية نحو بناء مرونة عالمية للشبكات. وعلاوة على ذلك، لا يزال الإطار القانوني الدولي الذي يحكم البنية التحتية البحرية قديماً بشكل خطير. فالمعاهدات التي تمت صياغتها قبل عقود تتعامل مع الأضرار العرضية الناجمة عن المراسي والتخريب المتعمد الذي ترعاه الدول بلغة غامضة وآليات إنفاذ شبه معدومة. وهناك حاجة ملحة إلى اتفاقية دولية حديثة تصنف بوضوح كابلات البيانات البحرية كبنية تحتية عالمية حيوية ومحمية، وتفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية صارمة على أي تعطيل متعمد. وبالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز الشراكات القوية بين القطاعين العام والخاص. إذ تحتاج وكالات الأمن القومي للعمل مباشرة مع شركات التكنولوجيا التي تمتلك هذه الكابلات، ومشاركة المعلومات الاستخباراتية السرية حول التهديدات، والاستثمار المشترك في أساطيل متخصصة للإصلاح تحت الماء يمكنها الاستجابة للأزمات المحيطية في غضون أيام بدلاً من أسابيع.
لقد نجحت الثورة الرقمية في إيهام المجتمع الحديث بأنه قد تجاوز الجغرافيا المادية. لكن الواقع أكثر ارتباطاً بالأرض، وأكثر خطورة بكثير. فكل رسالة دبلوماسية مشفرة، وكل تحويل مالي عبر الحدود، وكل جزء من البيانات السحابية العادية يعتمد على شبكة هشة من الخيوط الزجاجية التي تستقر في طمي قاع المحيط. ومع تصاعد التوترات العالمية وبحث القوى عن مزايا غير متكافئة، فإن أمن هذه الشرايين تحت المائية سيحدد بشكل متزايد استقرار الاقتصاد العالمي. إن حماية مستقبل الإنترنت لا تعني النظر إلى الأعلى نحو الأقمار الصناعية التي تدور في مدارات فوقنا، بل النظر إلى الأسفل في الأعماق الهشة والمتنازع عليها تحت الأمواج.