أدمغتنا مصممة للنسيان.. والعلم يكشف السبب أخيراً

٢٨ مارس ٢٠٢٦

أدمغتنا مصممة للنسيان.. والعلم يكشف السبب أخيراً

نتعامل مع الذاكرة ككنز ومع النسيان كلص. نشعر بالإحباط عند نسيان اسم، أو ضياع مفتاح، أو كلمة على طرف لساننا. ونعتبر ذلك فشلاً شخصياً، وصدعاً في بناء عقولنا. لقرون طويلة، نظرنا إلى الدماغ على أنه مكتبة، أو وحدة تخزين ضخمة، يُفترض أن تُحفظ فيها المعلومات وتُصنَّف بدقة. وفي هذا التصور، كان النسيان مجرد علامة على التدهور، مثل كتاب ضائع من على الرفوف. لكن الأبحاث المتزايدة في علم الأعصاب تقلب هذه الفكرة القديمة رأساً على عقب. إذ تشير إلى أن النسيان ليس فشلاً سلبياً في الذاكرة، بل هو عملية نشطة وأساسية صُممت أدمغتنا للقيام بها. وقد تكون القدرة على التخلي عن المعلومات بنفس أهمية القدرة على التمسك بها بالنسبة للذكاء.

هذا التحول في الفهم ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل تدعمه أدلة قوية. اكتشف الباحثون أن أدمغتنا تعمل باستمرار على التخلص من الروابط غير المستخدمة أو غير المهمة. وتُعرف هذه العملية باسم "التقليم التشابكي". يمكن تشبيه الأمر بالبستنة العقلية المدروسة، وليس مجرد فقدان للمعلومات. فإزالة الذكريات القديمة وغير المفيدة يسمح للذكريات الأكثر أهمية بالازدهار. في عام 2017، نُشرت مراجعة بحثية هامة في مجلة "نيورون" أعدها باحثون من جامعة تورنتو. وجاء فيها أن الهدف الأساسي للذاكرة ليس استرجاع الماضي بدقة، بل تحسين عملية اتخاذ القرار في المستقبل. ولتحقيق ذلك، يجب على الدماغ التخلص من التفاصيل المشتتة والمعلومات القديمة التي لم تعد تخدمنا. وقد أظهرت الدراسات أن نسيان تفاصيل غير مهمة يساعدنا بالفعل على تعميم الخبرات. وهذا يسمح لنا بتطبيق دروس الماضي على مواقف جديدة وغير مألوفة بفعالية أكبر.

السبب الكامن وراء هذا التصميم البيولوجي هو الكفاءة والقدرة على التكيف. فالدماغ الذي يتذكر كل تفصيلة من كل لحظة سيصاب بالشلل التام. تخيل أنك تحاول التعرف على وجه صديق، ولكن عليك أولاً البحث في ذاكرة مثالية لكل وجه رأيته في حياتك، وفي كل ظروف الإضاءة، ومن كل زاوية. سيكون ذلك مستحيلاً. بدلاً من ذلك، ينسى دماغك التفاصيل الدقيقة - مثل طريقة سقوط الضوء على شعره يوم ثلاثاء معين - ويحتفظ بالنمط العام. عملية التجريد هذه أساسية للطريقة التي نتعامل بها مع العالم. النسيان يحرر الموارد العقلية، ويمنع ما يسميه علماء الكمبيوتر "الإفراط في المطابقة"، حيث يكون النظام متكيفاً بشكل مثالي مع البيانات القديمة لدرجة أنه لا يستطيع التعامل مع معلومات جديدة. بالتخلي عن الضوضاء، يستطيع دماغنا التركيز بشكل أفضل على الإشارة المهمة.

عواقب هذا المنظور الجديد عميقة، فهي تمس كل شيء من التعليم إلى الصحة العقلية. فهو يشير إلى أن تركيزنا المستمر على الحفظ في المدارس قد يكون في غير محله. حشو المعلومات من أجل امتحان ثم نسيانها بعد أسابيع ليس بالضرورة علامة على ضعف التعلم، بل هو استجابة الدماغ الطبيعية للمعلومات التي لم تُدمج في سياق أكبر وذي معنى. التعلم الحقيقي هو بناء أطر مفاهيمية، وهذا يتطلب غالباً نسيان التفاصيل التافهة التي تسبب الفوضى. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم آليات النسيان يلقي الضوء على حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والذي يمكن اعتباره فشلاً مدمراً لآلية النسيان في الدماغ. في هذا الاضطراب، يعجز العقل عن تخفيف الشدة العاطفية للذكرى المؤلمة، وهذا يجبر الشخص على استعادة الذكرى برعبها الأصلي. وهذا يشير إلى أن العلاجات المستقبلية قد لا تركز على محو الذكريات، بل على مساعدة الدماغ ليتعلم كيف ينسى قبضتها المؤلمة.

إذن، كيف يمكننا أن نعمل مع ميل دماغنا الطبيعي للنسيان، بدلاً من العمل ضده؟ يشير العلم إلى استراتيجيات تتبنى هذه العملية. تقنيات مثل "التكرار المتباعد"، حيث تراجع المعلومات على فترات زمنية متزايدة، تعمل عن طريق إرسال إشارة للدماغ تخبره بأن ذكرى معينة مهمة ويجب عدم التخلص منها. إنها طريقة لفرز ما يبقى وما يذهب بشكل مقصود. على مستوى أوسع، يمكننا تحويل تركيزنا من الحفظ الصم إلى الفهم المفاهيمي العميق. بدلاً من محاولة بناء مكتبة مثالية من الحقائق، يجب أن نسعى لبناء مجموعة أدوات عقلية مرنة من المبادئ والأنماط. وهذا يعني قبول فكرة أن الذاكرة "المثالية" ليست فقط غير قابلة للتحقيق، بل وغير مرغوب فيها أيضاً. العقل السليم والذكي ليس أرشيفاً خالياً من العيوب، بل هو نظام ديناميكي متكيف يحدّث نفسه باستمرار.

النسيان إذن ليس عدو التفكير، بل شريكه الصامت. إنه النحات الذي يزيل الحجر الزائد ليكشف عن التمثال الكامن تحته. تحتفي ثقافتنا بأبطال الذاكرة وتخشى التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر، لكن هذا العلم الناشئ يدعونا إلى رؤية أكثر توازناً. إنه يطلب منا أن نقدّر عملية التخلي عن المعلومات، وهي عملية هادئة وأنيقة وحيوية للغاية. العقل الفعال ليس هو الذي يتمسك بكل شيء، بل هو الذي يعرف ما يجب أن ينساه. في خضم التدفق المستمر للمعلومات الذي يميز حياتنا الحديثة، قد تكون هبة النسيان البيولوجية هذه أهم ميزة تمتلكها أدمغتنا، فهي تسمح لنا بالتعلم والنمو والمضي قدماً نحو مستقبل دائم التغير.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Science