بلسان العلم.. كيف تروج شبكات التطرف لخرافات الأسلحة البيولوجية؟
١٦ أبريل ٢٠٢٦
تستغل الجماعات المتطرفة لغة العلم لنشر الخوف وتجنيد الأتباع. تروج هذه الجماعات لادعاءات كاذبة عن الإرهاب البيولوجي عبر الإنترنت. لم تعد هذه مجرد دعاية هامشية، بل أصبحت تهديداً حقيقياً للصحة العامة والأمن.
قد لا تأتي أخطر كذبة في عالم الإعلام العلمي الحديث من مختبر. بل قد تأتي مغلفة بلغة المختبرات، ومن خلال مقاطع فيديو مصقولة وغرف دردشة مشفرة ورسومات احترافية تحاكي شكل الأبحاث الحقيقية. في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وأجزاء من أفريقيا، يتتبع الباحثون في مجال التطرف اتجاهاً مقلقاً. فهناك شبكات إسلاموية عنيفة ومتعاطفون معها عبر الإنترنت يستعيرون سلطة العلم لنشر خرافات عن الأسلحة البيولوجية، ومؤامرات حول الأمراض، وادعاءات كاذبة عن هجمات كيميائية. لم يعد الأمر مجرد دعاية، بل هو استغلال استراتيجي للغة العلمية، ويتعامل معه مسؤولو الأمن باعتباره تهديداً خطيراً.
تقع هذه القصة في نقطة تقاطع حساسة بين العلم والصحة العامة والإرهاب. لسنوات، حذر الخبراء من أن الجماعات المتطرفة لا تحتاج إلى مختبرات متطورة لإثارة الذعر. كل ما تحتاجه هو شائعة قوية بما يكفي لتتفوق على الحقائق. ويبدو هذا التحذير الآن دقيقاً بشكل مؤلم. أظهرت أبحاث من مؤسسات تدرس التطرف عبر الإنترنت، بما في ذلك المركز الدولي لدراسة التطرف في لندن وبرنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، كيف تتكيف بيئات التطرف بسرعة مع الأحداث العاجلة. فعندما تتصدر الأوبئة أو التسريبات الكيميائية أو حملات اللقاحات أو تفشي الأمراض عناوين الأخبار، تندفع هذه الشبكات وتغمر الساحة بادعاءات عن تسميم سري وحرب بيولوجية غربية وأمراض هندستها الدول.
التكتيك بسيط للغاية. حوِّل الأيديولوجيا إلى تحقيق. واجعل من الخوف قصة. ثم ادعِ أنها دليل.
خلال جائحة كوفيد-19، انفجر هذا النمط. وثقت هيئات مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة والعديد من وكالات الأمن القومي كيف صورت قنوات الدعاية الجهادية الفيروس على أنه عقاب إلهي ودليل على مؤامرة عالمية في آن واحد. احتفلت بعض المنشورات بضرب المرض للدول المنافسة. وروجت منشورات أخرى لادعاءات بأن اللقاحات هي أدوات للتعقيم أو أن العاملين الصحيين عملاء لحكومات معادية. في المناطق الهشة، لم تبق هذه الأكاذيب على الإنترنت. ففي أجزاء من نيجيريا والصومال وأفغانستان، واجهت فرق الصحة العامة، التي تعمل بالفعل تحت التهديد، شكوكاً متزايدة غذتها سنوات من رسائل المسلحين وفضائح استخباراتية سابقة سهّلت استخدام انعدام الثقة كسلاح.
وهذا التاريخ مهم. ففي باكستان، ألحقت تداعيات حملة التطعيم الوهمية التي نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) أثناء البحث عن أسامة بن لادن ضرراً حقيقياً. قضى خبراء الصحة العامة ومنظمات الإغاثة أكثر من عقد وهم يحذرون من أن العملية قوضت الثقة في حملات التطعيم، خاصة حملات شلل الأطفال. استغل المسلحون ذلك على الفور. لم يخترعوا الشك من فراغ، بل غذته عملية سرية حقيقية، وحول مروجو التطرف هذه الحقيقة إلى خيال أوسع مفاده أن كل تدخل صحي هو عمل تجسسي. وكانت النتيجة مميتة، حيث تعرض عمال التطعيم في باكستان لهجمات وقُتلوا على مدى عدة سنوات. كان العلم حقيقياً، والدواء حقيقياً، لكن الساحة غمرتها قصة أقوى من الحقائق.
هنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد قضية إعلامية، لتتحول إلى قضية علمية. أظهر باحثون في مجال التواصل حول المخاطر منذ فترة طويلة أن الناس لا يحكمون على الادعاءات العلمية بناءً على البيانات وحدها، بل يحكمون على الثقة والدافع والهوية. أكدت مراجعة عام 2022 في مجلة Nature Human Behaviour ومجموعة واسعة من أبحاث الصحة العامة نفس النقطة الأساسية بعبارات أبسط: بمجرد أن تصبح قضية علمية مرتبطة بالهوية، غالباً ما تصل الأدلة متأخرة جداً. تفهم شبكات التطرف هذا الأمر بشكل غريزي. فهي لا تحتاج إلى إثبات أن مختبراً ما صنع فيروساً، بل تحتاج فقط إلى جعل الادعاء يبدو متماسكاً من الناحية العاطفية. تشير إلى برامج أبحاث عسكرية، وخداع سابق، وضحايا مدنيين، وتسريبات سامة، ثم تحيكها في اتهام شامل. يبدو المنتج النهائي وكأنه تفكير تحقيقي، لكنه في الواقع هندسة للسردية.
بعض أكثر الأبحاث إثارة للقلق حول هذا الموضوع تأتي من باحثين يتتبعون كيفية استغلال المسلحين والمجتمعات المؤمنة بالمؤامرات المجاورة لهم للخطاب المتعلق بالأسلحة الكيميائية. بعد الهجمات الكبرى في سوريا، حاول محققون مستقلون من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وهيئات مرتبطة بالأمم المتحدة إثبات الحقائق في ساحة معركة غارقة في التضليل. لكن البيئات الإلكترونية المرتبطة بالمتطرفين ودعاة الدول والرفاق الأيديولوجيين دفعت بادعاءات مضادة لا نهاية لها: الضحايا كانوا ممثلين، والغازات زُرعت، والمستشفيات كانت تزيف الإصابات الجماعية، والغرب دبر كل شيء. لم تكن هذه شائعات عشوائية، بل كانت جهوداً مستهدفة لتدمير فكرة أن العلم الجنائي يمكن أن يحسم أي شيء.
هذا الضرر باقٍ. فبمجرد أن يصبح من الممكن التغاضي عن كل فظاعة باعتبارها عملية "راية كاذبة"، يصبح العلم مجرد قناع آخر في حرب المعلومات. قد ينشر الباحثون في المصادر المفتوحة وخبراء السموم ومفتشو الأسلحة الأدلة، لكنهم يضطرون إلى التنافس مع مقاطع الفيديو سريعة الانتشار والادعاءات المشحونة عاطفياً التي تنتشر أسرع من أي نتائج رسمية. هذا الأمر ليس محبطاً فحسب، بل يغير السلوك على الأرض، ويقوض الدعم للتحقيقات، ويؤخر الاستجابة، ويمنح الفاعلين العنيفين مساحة أكبر للعمل.
هناك طبقة أخرى لهذه القصة بدأ العلماء للتو في مواجهتها. نفس الأدوات الرقمية التي جعلت العلم أكثر انفتاحاً جعلت تزييفه أسهل أيضاً. لقد خفضت خوادم النشر المسبق للأبحاث، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، والصوت الاصطناعي، وبرامج التصميم الرخيصة، من تكلفة الخبرة المزيفة. لم يعد محتوى المتطرفين بحاجة إلى أن يبدو بدائياً، بل يمكن أن يبدو علمياً. يمكنه الاستشهاد بمجلات حقيقية إلى جانب استنتاجات ملفقة. يمكنه اقتطاع فقرة من ورقة علمية في علم الأحياء الدقيقة ووضعها بجانب خيال حول بعوض مسلح أو عقم مصمم هندسياً. أظهر باحثون يدرسون التضليل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأكسفورد وأماكن أخرى كيف تكتسب الادعاءات الكاذبة قوتها عندما تستعير أجزاء من الحقيقة. وهذا بالضبط ما يفعله مروجو التطرف.
الكلمة المفتاحية هنا ليست البراعة في المختبر، بل البراعة في الإقناع. معظم الجماعات العنيفة لا تملك القدرة على بناء أسلحة بيولوجية متطورة، وقد أكدت التقييمات الأمنية ذلك لسنوات. لكن لديها القدرة على إثارة الذعر حول الأمراض واللقاحات والتلوث والمؤامرات الخفية. من الناحية العملية، يمكن للذعر نفسه أن يصبح سلاحاً. إذا أُغلقت عيادة لأن السكان المحليين يعتقدون أنها غطاء للمراقبة، فهذا نجاح عملي. وإذا أجلت مدينة العلاج أثناء تفشي مرض لأن الشائعات تدعي أن الدواء سم، فهذا ضرر استراتيجي. وإذا رفضت المجتمعات نتائج الطب الشرعي بعد هجوم كيميائي لأن الدعاية أقنعتها بأن كل عالم مخترق، فإن الحقيقة نفسها تصبح ضرراً جانبياً.
غالباً ما كانت استجابة الحكومات مربكة. فهي تصدر نشرات حقائق جافة بينما تبيع الحركات عبر الإنترنت قصة آسرة. تتحدث كالبيروقراطيين بينما يتحدث المروجون كشهود عيان. وهذه الفجوة قاتلة. تواصل الأبحاث في مجال الإعلام العلمي التوصل إلى نفس النتيجة: الحقائق مهمة، لكن التوقيت والثقة والجهة التي تنقل الرسالة مهمة أيضاً. غالباً ما يتمتع الأطباء المحليون والزعماء الدينيون والعاملون في صحة المجتمع بمصداقية أكبر من الوزارات البعيدة. وفي الأماكن التي مزقتها الحرب أو المراقبة، فإن المسؤولين الذين يتجاهلون هذه الحقيقة يكتبون عملياً المؤامرة التالية لأعدائهم.
الحقيقة المرة هي أن العلم لا ينتصر تلقائياً لأنه صحيح. إنه ينتصر فقط عندما تكون المؤسسات التي تحميه ذات مصداقية وشفافية وسريعة بما يكفي للإجابة على الخوف قبل أن يسيطر المتطرفون على السردية. وهذا يعني الاعتراف بالانتهاكات السابقة عند حدوثها. ويعني فصل العمل الصحي عن العمليات السرية. ويعني بناء الوعي العلمي قبل الأزمة، وليس بعد أن تنفجر الشائعة. ويعني التعامل مع التضليل حول الأمراض والتهديدات الكيميائية كمشكلة أمنية أساسية، وليس كعرض جانبي على الإنترنت.
يحب الجمهور أن يتخيل الإرهاب على أنه قنابل وبنادق ورجال ملثمون في شاحنات. لكن في العصر الرقمي، قد تكون إحدى أكثر أدواته فعالية شيئاً أكثر هدوءاً: كذبة ترتدي ثوب العلم، تتحرك أسرع من الحقيقة، وتهبط في مجتمعات تعلمت بالفعل ألا تثق في الأشخاص الذين يحاولون إنقاذها. هذه ليست ضوضاء هامشية، بل هو تهديد حديث يرتدي معطف المختبر.
Source: Editorial Desk