وجهك لم يكن ملكك يومًا.. والعلم يكشف المستور

١٥ أبريل ٢٠٢٦

وجهك لم يكن ملكك يومًا.. والعلم يكشف المستور

لم يعد التعرف على الوجه مجرد خيال علمي أو أداة للشرطة فقط. الأبحاث تكشف الآن أن وجهك يمكن أن يظهر هويتك وحالتك الصحية وعمرك، وحتى أمراضك الوراثية، مما يطرح أسئلة خطيرة عن الخصوصية.

لا يزال معظم الناس يتحدثون عن الوجه وكأنه مجرد صورة. لكنه ليس كذلك. إنه بيانات. بيانات شخصية كثيفة وتكشف الكثير. هذه هي الحقيقة المزعجة التي تواجه العلم والمشرّعين والجمهور الآن. كان الافتراض القديم بسيطًا: الصورة تظهر شكلك. لكن الواقع الجديد أكثر اقتحامًا للخصوصية. يمكن للوجه أن يساعد في تحديد هويتك، وتقدير عمرك، وتتبع أماكن وجودك، واستنتاج جوانب من صحتك، وفي بعض الحالات حتى الإشارة إلى اضطرابات وراثية محتملة. التقنية ليست مثالية، وبعض الادعاءات المبالغ فيها ضعيفة أو غير دقيقة. لكن التحول الجوهري حقيقي. لقد أصبح الوجه واحدًا من أغنى السجلات البيولوجية والسلوكية التي يحملها معظم الناس في الأماكن العامة.

لم يعد هذا مجرد نظرية. فالأمر يتطور منذ سنوات على مرأى من الجميع. أظهر الباحثون أن الخوارزميات يمكنها تحديد هوية الأشخاص من مجموعات بيانات ضخمة للصور بدقة كانت لتبدو مستحيلة قبل عقدين. انتشرت أنظمة التعرف على الوجه التجارية في المطارات والهواتف والمكاتب ووسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يفهم معظم المواطنين طبيعة الصفقة. وضعت خاصية "فيس آي دي" (Face ID) من آبل تقنية متقدمة للتعرف على الوجه في جيوب الملايين. واشتهرت شركة "كلير فيو إيه آي" (Clearview AI) بجمع مليارات الصور من الإنترنت لإنشاء قاعدة بيانات للوجوه تستخدمها جهات إنفاذ القانون وغيرها. في الصين، انتشر استخدام التعرف على الوجه على نطاق واسع في الأماكن العامة والتجارية. أما في الولايات المتحدة وأوروبا، فكان المنظمون أبطأ وأكثر تشتتًا، لكن العلم استمر في التقدم على أي حال.

الجانب العلمي أوسع من مجرد التعرف على الهوية. فقد استخدمت فرق بحثية تحليل الوجه للمساعدة في الكشف عن متلازمات وراثية نادرة من خلال الصور. أحد أشهر هذه الجهود هو نظام "فيس تو جين" (Face2Gene)، الذي استخدمه الأطباء كأداة مساعدة، وليس للتشخيص النهائي، لتحديد الأنماط المرتبطة بحالات مثل متلازمة نونان أو متلازمة أنجلمان. هذه النقطة مهمة. لا يحتاج الكمبيوتر إلى قراءة أفكارك لاستخلاص معلومات حساسة من وجهك. كل ما يحتاجه هو اكتشاف أنماط دقيقة جدًا أو كثيرة جدًا بحيث لا يلاحظها الإنسان العادي المتعجل. في الطب، يمكن أن يكون هذا مفيدًا. ولكن في الأيدي الخطأ، يمكن أن يكون مرعبًا.

وهناك المزيد. وجد الباحثون أنه يمكن استخدام صور الوجه لتقدير العمر البيولوجي، الذي لا يتطابق دائمًا مع الرقم الموجود في شهادة الميلاد. بحث العلماء الذين يدرسون الشيخوخة فيما إذا كانت خصائص الوجه ترتبط بالحالة الصحية أو خطر الوفاة. الأدلة هنا متباينة ولا ينبغي المبالغة فيها. لا يقدم الوجه توقعًا دقيقًا لعمر شخص ما. لكن عدة دراسات أشارت إلى أن الناس غالبًا ما يمكنهم الحكم على العمر والصحة من الوجوه بشكل أفضل من التخمين العشوائي، والآن تحاول الخوارزميات أن تضع قواعد رسمية لذلك. يجب أن يثير هذا قلق الناس، لأنه بمجرد أن يتمكن نظام ما من تصنيف الوجوه حسب العمر أو التوتر أو المرض المتصور، سيغرى أصحاب العمل وشركات التأمين والمعلنون والحكومات باستخدامه. هيكل الحوافز واضح وبشع.

وهنا عادةً ما ينحرف النقاش عن مساره. يقول المدافعون عن تحليلات الوجه إن هذه الأدوات يمكن أن تقبض على المجرمين، وتقلل من الاحتيال، وتسرّع طوابير المطارات، وتساعد الأطباء على تشخيص الأطفال المصابين بأمراض نادرة في وقت مبكر. بعض هذا صحيح. سيكون من الكسل إنكار الفوائد الواضحة. استخدمت الشرطة التعرف على الوجه في بعض الحالات للمساعدة في تحديد المشتبه بهم. واستخدمت المستشفيات والباحثون تحليل صور الوجه لدعم العمل الطبي الذي قد يستغرق وقتًا أطول. تستخدم الأجهزة الاستهلاكية القياسات الحيوية للوجه لأن الكثير من الناس يفضلون الراحة على كلمات المرور. المشكلة ليست أن كل استخدام شرير. المشكلة هي أن التكنولوجيا يمكن أن تكون مفيدة وخطيرة في نفس الوقت، والمجتمعات سيئة جدًا في الاعتراف بذلك إلا بعد وقوع الضرر.

الأدلة على التحيز هي أحد أسباب خطورة الموقف. وجدت دراسة أجرتها جوي بولامويني وتيمنيت غيبرو عام 2018 أن أنظمة تصنيف الجنس التجارية لديها معدلات خطأ أعلى بكثير للنساء ذوات البشرة الداكنة مقارنة بالرجال ذوي البشرة الفاتحة. الأنظمة التي اختبروها ليست مماثلة لجميع أدوات التعرف على الوجه الحديثة، وقد ادعت الشركات منذ ذلك الحين تحقيق تحسينات. ومع ذلك، كان الدرس قاسيًا وواضحًا. تعكس هذه الأنظمة البيانات والافتراضات التي بنيت عليها. وعندما تكون البيانات منحازة، فإن الأضرار لا تكون عشوائية. بل تقع بقسوة على الأشخاص الأكثر عرضة للمراقبة والأقل حماية من قبل المؤسسات. هذا ليس مجرد خلل هامشي. إنه تحذير بشأن السلطة.

هناك أيضًا إغراء علمي أعمق يستحق التشكيك الحقيقي. لقد سعى بعض الباحثين والشركات الناشئة وراء فكرة أن الوجوه يمكن أن تكشف عن الشخصية أو الميول الجنسية أو الإجرام أو المعتقدات السياسية. هنا يمكن أن ينزلق العلم إلى "فراسة حديثة" مع تحديث برمجي. قدمت بعض الدراسات ادعاءات مثيرة للجدل في هذا المجال، لكن الأدلة متنازع عليها، والأساليب غالبًا ما تتعرض للانتقاد، والمخاطر الأخلاقية شديدة. يمكن للوجه أن يكشف أكثر مما يدركه الناس. لكن هذا لا يعني أنه يحتوي على خريطة صالحة أخلاقيًا للشخصية. على العلم الجاد أن يعرف الفرق. عندما يبالغ الباحثون في ادعاءاتهم، فهم لا يرتكبون مجرد خطأ تقني، بل يقدمون أدوات وأساطير خطيرة للمؤسسات المتعطشة لتصنيف البشر في فئات.

لماذا يحدث هذا الآن؟ لأن ثلاث قوى تصادمت. أولًا، انفجار بيانات الصور. توجد الآن مليارات الصور على الإنترنت وفي قواعد البيانات الخاصة. ثانيًا، تحسن التعلم الآلي بشكل كبير في العثور على الأنماط في البيانات المرئية. ثالثًا، أصبحت الكاميرات رخيصة وموجودة باستمرار وشبه خفية. اجمع هذه القوى معًا، ولم يعد الوجه شيئًا عابرًا. بل أصبح قابلاً للبحث والمقارنة والتصنيف على نطاق واسع. هذه هي الثورة الحقيقية. ليس أن الكاميرا يمكنها رؤيتك، بل أن النظام يمكنه تذكرك ومقارنتك وتقييمك دون علمك.

العواقب تتجاوز مجرد الخصوصية بمعناها الضيق. عدم الكشف عن الهوية في الأماكن العامة هو أحد الحريات الصامتة في الحياة العادية. فهو يسمح للناس بحضور احتجاج، أو زيارة عيادة، أو مقابلة صديق، أو ارتكاب خطأ، أو ببساطة التحرك في مدينة دون ترك أثر بيومتري دائم. تهدد تقنية التعرف على الوجه وتحليلاته بتحويل هذه الحرية إلى ترف. في الأماكن ذات الضمانات القانونية الضعيفة، يكون الخطر مباشرًا. وفي الديمقراطيات الليبرالية، يكون الخطر أبطأ وأكثر بيروقراطية. لكنه لا يزال حقيقيًا. يمكن لأداة بيعت في البداية من أجل السلامة أن تصبح بنية تحتية للتتبع الروتيني. يقول التاريخ إنه بمجرد أن تكتسب المؤسسات طريقة جديدة وقوية لمراقبة الناس، فإنها نادرًا ما تتخلى عنها طواعية.

إذًا ما الذي يجب فعله؟ الإجابة الأولى ليست حظر جميع علوم الوجه. سيكون ذلك فوضويًا وغير مجدٍ. يمكن أن تكون للاستخدامات الطبية وأدوات الوصول وأنظمة المصادقة الخاضعة لرقابة صارمة قيمة حقيقية. لكن المراقبة العامة الواسعة أمر آخر. تحتاج الحكومات إلى وضع قيود صارمة على التعرف على الوجه في الوقت الفعلي في الأماكن العامة، وقواعد واضحة لأوامر التفتيش والمراجعات، وعقوبات صارمة على سوء الاستخدام. يحتاج الباحثون إلى معايير أخلاقية أقوى حول الادعاءات بأن ملامح الوجه تتنبأ بصفات حساسة. يجب إجبار الشركات على إثبات الضرورة، وليس فقط الراحة. ويجب على الجمهور التوقف عن التظاهر بأن نشر صورة هو عمل تافه في عالم أصبحت فيه الصور مادة خامًا للاستدلال الآلي.

النقطة الأكبر أوسع من أي تطبيق أو قسم شرطة. لقد كشف العلم عن شيء يفضل الناس عدم مواجهته: وجه الإنسان ليس قناعًا محايدًا. إنه إشارة بيولوجية، وجواز سفر اجتماعي، والآن مفتاح قابل للقراءة آليًا. هذا لا يعني أنه يجب أن نخشى كل كاميرا أو نرفض كل تقدم. بل يعني أنه يجب علينا أخيرًا التخلي عن الخيال الطفولي بأن الظهور للعلن غير ضار. كان الوجه في الماضي الجزء الأكثر علنية من الذات. أما الآن فالعلم يحوله إلى واحد من أكثر الأجزاء قابلية للاستغلال. إذا لم تضع الديمقراطيات خطوطًا حمراء الآن، فسوف تستيقظ لاحقًا لتكتشف أن تلك الخطوط قد رسمها المهندسون ووكالات الأمن والأسواق بدلاً منها.

Source: Editorial Desk

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Science