أزمة البحر الأحمر.. كيف هزت الصواريخ الرخيصة الاقتصاد العالمي؟

١٥ أبريل ٢٠٢٦

أزمة البحر الأحمر.. كيف هزت الصواريخ الرخيصة الاقتصاد العالمي؟

لم تكن الصدمة الكبرى في هجمات البحر الأحمر عسكرية، بل اقتصادية. فقد نجحت حملة منخفضة التكلفة شنها الحوثيون في إبعاد كبرى شركات الشحن عن أحد أهم الممرات التجارية العالمية. وكشفت هذه الحملة عن مدى هشاشة حركة التجارة في العالم.

يحب الناس الحديث عن الحرب الحديثة وكأنها تعتمد على الطائرات الشبح والأقمار الصناعية وأسلحة بمليارات الدولارات. لكن هذه ليست سوى نصف الحقيقة. لقد قدمت أزمة البحر الأحمر درساً أقسى بكثير: جماعة مسلحة لديها الإصرار والصواريخ والطائرات المسيرة، وقادرة على مواصلة إطلاق النار، يمكنها تعطيل جزء كبير من التجارة العالمية. ويمكنها فعل ذلك دون الحاجة لهزيمة أي قوة بحرية بالمعنى التقليدي. النقطة ليست أن الحوثيين سيطروا على البحر، فهم لم يفعلوا ذلك. النقطة هي أنهم جعلوا العبور عبره محفوفاً بالمخاطر لدرجة أجبرت الاقتصاد العالمي على الاستجابة، وهذا بحد ذاته يُعد نصراً استراتيجياً.

هذا الأمر يجب أن يثير قلقاً يتجاوز مخططي الدفاع. إنه يجب أن يقلق المستهلكين والشركات والحكومات التي بنت سلاسل إمدادها على افتراض خاطئ. كان هذا الافتراض هو أن ممرات الشحن الرئيسية ستظل مفتوحة ما لم تقرر قوة عظمى إغلاقها. في البحر الأحمر، انهار هذا الافتراض. بدأ الحوثيون، وهم الحركة المسلحة المدعومة من إيران والتي تسيطر على جزء كبير من شمال اليمن، في مهاجمة السفن التجارية. كما أطلقوا الصواريخ والطائرات المسيرة بعد اندلاع الحرب في غزة. لقد صوروا حملتهم على أنها وسيلة للضغط على إسرائيل وداعميها. وبغض النظر عن رأي أي شخص في هذا الادعاء، كان التأثير على أرض الواقع فورياً. قامت شركات شحن كبرى مثل "ميرسك" و"هاباغ لويد" بتعليق أو تقليل رحلاتها عبر البحر الأحمر خلال فترات من الأزمة، كما غيرت سفن كثيرة مسارها لتدور حول رأس الرجاء الصالح.

هذا التحول في المسار ليس مجرد إزعاج بسيط. فهو يضيف المزيد من الوقت وتكاليف الوقود وأعباء التأمين والضغط على جداول الشحن. عادةً ما يمر جزء كبير من التجارة العالمية عبر طريق قناة السويس والبحر الأحمر. تختلف النسبة الدقيقة حسب طريقة القياس، ولكن يُذكر على نطاق واسع أنه يمر عبره حوالي 10 إلى 15 بالمئة من التجارة العالمية، بالإضافة إلى جزء كبير من حركة الحاويات بين آسيا وأوروبا. عندما تغير السفن مسارها للدوران حول جنوب أفريقيا، يمكن أن تطول الرحلات بنحو أسبوع إلى أسبوعين، حسب المسار وسرعة السفينة. وهذا يعني تأخير البضائع، وتقليص سعة الشحن، وارتفاع التكاليف التي لا تبقى في البحر فقط، بل تنتقل إلى الموانئ والمستودعات والمصانع، وفي النهاية إلى ميزانيات الأسر.

كانت الأدلة واضحة جداً. في أوائل عام 2024، قفزت أسعار شحن الحاويات بشكل حاد مع انتشار تغيير مسار السفن. كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن التي تمر في المياه المتأثرة. وتلقت مصر، التي تعتمد بشكل كبير على عائدات قناة السويس، ضربة مباشرة مع انخفاض حركة المرور في القناة. وأوضحت التصريحات العلنية للمسؤولين المصريين أن الخسائر كانت جسيمة. هكذا يبدو الصراع الحديث عندما يستهدف نقاط الاختناق التجارية. فأنت لا تحتاج إلى إغراق كل سفينة. كل ما تحتاجه هو دفع عدد كافٍ من الشركات إلى الاعتقاد بأن المخاطرة لم تعد تستحق استخدام هذا الطريق المختصر.

هناك مفهوم خاطئ وشائع حول هذا الأمر. يعتقد الكثير من الناس أن القوة البحرية تقتصر على الدول التي تمتلك أساطيل. هذا تفكير قديم. بالطبع، لا تزال الدول تهيمن على حروب المياه المفتوحة. فالبحرية الأمريكية وقوات التحالف لا تزال أقوى بكثير من الحوثيين في أي مقارنة عسكرية مباشرة. لكن الردع ليس هو نفسه الهيمنة. فالسفينة التجارية لا يهمها ما إذا كان التهديد يأتي من بحرية دولة أو من حركة غير حكومية، طالما أن الصاروخ سيصيبها في النهاية. قطاع الشحن التجاري يتسم بالحذر لسبب وجيه. فالقباطنة وشركات التأمين ومجالس إدارات الشركات لا يتقاضون رواتبهم لاتخاذ مواقف جيوسياسية، بل يتقاضونها للحفاظ على سلامة البضائع وأطقم السفن.

هذا يساعد في تفسير لماذا لم يحل الانتقام العسكري وحده المشكلة. نفذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضربات على أهداف للحوثيين في اليمن. أظهرت هذه الضربات الإصرار، ومن المرجح أنها أضعفت بعض قدرات الإطلاق لديهم. لكنها لم تقضِ على المنطق الأساسي لحملتهم. فمنصات الإطلاق المتحركة، والبنية التحتية المبعثرة، وحركة نجت من سنوات من الحرب داخل اليمن، كلها عوامل لا يمكن إيقافها بسهولة. هذه هي الحقيقة المرة التي غالبًا ما ترفض الحكومات القوية الاعتراف بها: القوة النارية المتفوقة لا تمنح السيطرة الاستراتيجية تلقائياً عندما يكون لدى العدو قدرة عالية على تحمل الألم، وتكون أدواته رخيصة وقابلة للاستبدال ومفيدة سياسياً.

هناك تاريخ وراء هذا الوضع. لطالما كان مضيق باب المندب نقطة اختناق، وقد امتدت حرب اليمن لتؤثر على الأمن البحري من قبل. خلال الصراع الأوسع في اليمن، اتُهم الحوثيون بمهاجمة سفن وزرع ألغام بحرية. وفي هجمات عام 2019 على منشآت النفط السعودية، التي نسبت الولايات المتحدة وغيرها المسؤولية عنها إلى إيران، أظهرت المنطقة بالفعل كيف يمكن لأنظمة هجومية رخيصة نسبياً أن تهدد شرايين اقتصادية حيوية. لذا، فإن أزمة البحر الأحمر ليست حدثاً معزولاً، إنها جزء من نمط متكرر. فقد أصبحت الدقة أرخص ثمناً، وأصبح إحداث الاضطراب أسهل منالاً، وانخفض الحاجز الذي كان يمنع إلحاق أذى اقتصادي عالمي.

تمتد العواقب إلى ما هو أبعد من فواتير الشحن. فقد واجه المصنعون الأوروبيون تأخيرات في وصول قطع الغيار والمكونات. وراقبت أسواق الطاقة المنطقة بقلق لأن البحر الأحمر يقع بالقرب من طرق عبور رئيسية للنفط والغاز. كما يمكن أن تتأثر عمليات إيصال المساعدات الإنسانية عندما ينتشر انعدام الأمن في الممرات البحرية. وهناك نتيجة سياسية قد تكون أكثر خطورة: فكل حملة تعطيل ناجحة تعلم الجماعات المسلحة والدول التي ترعاها أن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة مما يبدو عليه.

هناك حجة مضادة، وهي تستحق أن تُسمع. يقول بعض المحللين إن النظام اهتز لكنه لم ينكسر. فالسفن استمرت في التحرك، وزادت عمليات الحراسة البحرية، وتكيفت الأسواق، وتراجعت أسعار الشحن من ذروتها. هذا صحيح، ولكن إلى حد معين. فالعالم لم يواجه نقصاً في البضائع. لكن هذا المقياس منخفض جداً. الدرس من أزمة البحر الأحمر ليس أن الاضطراب يسبب انهياراً فورياً، بل هو أن صراعاً محلياً يمكنه أن يفرض تكاليف عالمية بسرعة، وبشكل متكرر، وبتكلفة منخفضة نسبياً على المهاجم. وهذا يجب أن يكون كافياً لإعادة التفكير في الأمر.

إذن، ما الذي يجب أن يتغير؟ أولاً، يجب على الحكومات التوقف عن التعامل مع الأمن البحري كقضية متخصصة تهم قادة البحرية وشركات التأمين فقط. إنها قضية تهم المصلحة العامة. فإذا كانت نقطة اختناق واحدة قادرة على رفع التكاليف عبر القارات، فإن حماية الممرات البحرية هي سياسة اقتصادية بقدر ما هي سياسة عسكرية. ثانياً، تحتاج سلاسل الإمداد إلى بدائل احتياطية. لسنوات، كانت الكفاءة تُعامل كأنها عقيدة مقدسة. هذه العقيدة تبدو الآن متهورة. يجب على الشركات والحكومات تنويع المسارات، وتخزين المدخلات الحيوية بذكاء أكبر، وبناء هوامش أمان لمواجهة الاضطرابات. ثالثاً، لا يمكن أن تكون الدبلوماسية خياراً ثانوياً. فهجمات البحر الأحمر مرتبطة بأزمة إقليمية أوسع، والتظاهر بأنه يمكن فصل أمن الشحن عن الحروب والمظالم السياسية المحيطة به هو مجرد وهم.

هناك أيضاً توصية أصعب. تحتاج الدول إلى دفاعات أفضل ضد التهديدات الجوية الرخيصة في البحر، وبأعداد كبيرة. فإسقاط طائرات مسيرة منخفضة التكلفة بصواريخ اعتراضية باهظة الثمن ليس معادلة مستدامة على المدى الطويل. هذا لا يعني أن القوات البحرية عاجزة، بل يعني أن عمليات الشراء والعقيدة العسكرية يجب أن تواكب اقتصاديات هذا النوع من القتال. فالطرف الذي ينفق الملايين لوقف هجمات تكلف أقل بكثير قد ينتصر تكتيكياً، لكنه قد يخسر استراتيجياً مع مرور الوقت.

أزمة البحر الأحمر لم تثبت أن الحوثيين يمكنهم السيطرة على التجارة العالمية، بل أثبتت شيئاً أكثر إقلاقاً. وهو أن التجارة العالمية يمكن أن تهتز على أيدي أطراف أضعف بكثير من القوى المفترض أن تحميها. هذا ليس حادثاً غريباً ناتجاً عن حرب واحدة. إنه شكل عصر جديد، حيث تتضافر نقاط الاختناق الهشة وتكنولوجيا الهجوم الرخيصة والصراعات الإقليمية التي لم تُحل لتشكل تهديداً دائماً. لقد أمضى العالم عقوداً في بناء نظام تجاري يعتمد على ممرات ضيقة وحركة مستمرة. والآن، يتعلم الحقيقة الواضحة التي حاول تجاهلها: إذا تمكنت الحرب من خنق ممر تجاري، فإنها تستطيع أن تصل مباشرة إلى الحياة الاقتصادية اليومية، مهما بدا ميدان المعركة بعيداً عن الوطن.

Source: Editorial Desk

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Conflict & War