خطر المناخ الأكبر ليس في الخارج.. بل داخل منزلك

١٥ أبريل ٢٠٢٦

خطر المناخ الأكبر ليس في الخارج.. بل داخل منزلك

يعتبر الكثيرون تكييف الهواء مسألة رفاهية شخصية، لكنه ليس كذلك. فالحرارة داخل المنازل أصبحت تشكل تهديداً كبيراً للصحة العامة، خصوصاً للمستأجرين وكبار السن والأسر الفقيرة التي تعيش في مبانٍ تحبس الحرارة لأيام.

لا يزال الناس يتحدثون عن الحرارة الشديدة وكأن الخطر الحقيقي يبدأ في الخارج. وهذا هو الخطأ الأول. فالجزء الأكثر فتكاً في موجة الحر ليس الرصيف الملتهب أو درجة الحرارة القياسية في المطار، بل الشقة التي لا تبرد أبداً، أو غرفة النوم تحت سقف داكن، أو المباني السكنية الحكومية ذات النوافذ المغلقة. الصورة الشائعة لخطر الحرارة هي عامل ينهار تحت أشعة الشمس، لكن الحقيقة الصامتة أكثر إزعاجاً، وهي أن الكثيرين يموتون ببطء داخل منازلهم بعد غروب الشمس، في أماكن كان من المفترض أن تكون آمنة.

هذا ليس مجرد تخمين. فقد أظهرت أبحاث الصحة العامة لسنوات أن الحرارة من أخطر كوارث الطقس. وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن الإجهاد الحراري خطر صحي جسيم مرتبط بالمناخ، وأن كبار السن والرضع والمصابين بأمراض مزمنة والمجتمعات الفقيرة هم الأكثر عرضة له. وفي صيف عام 2022، شهدت أوروبا دليلاً قاسياً على ذلك، حيث قدرت دراسة كبيرة نُشرت في مجلة "نيتشر ميديسن" أن أكثر من 60 ألف حالة وفاة مرتبطة بالحرارة وقعت في أنحاء أوروبا ذلك الصيف. والكثير من هذه الوفيات لم تحدث في حالات طوارئ خارجية، بل لأن الأجسام لم تستطع التعافي من الحرارة المستمرة، خاصة في الليل.

يزداد الخطر داخل المنازل سوءاً لسبب بسيط، وهو أن تغير المناخ يرفع متوسط درجات الحرارة، والعديد من المباني لم تُصمم لهذا الواقع الجديد. وقد وجدت أبحاث من جامعات في المملكة المتحدة وأوروبا وأستراليا والولايات المتحدة مراراً وتكراراً أن المنازل يمكن أن تحبس الحرارة وتظل دافئة بشكل خطير حتى عندما تبدأ درجات الحرارة في الخارج بالانخفاض. وينطبق هذا بشكل خاص على الشقق في الطوابق العليا والأحياء المكتظة والمباني سيئة التهوية ذات الأسطح الداكنة. وفي المدن، تزيد "ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية" الأمر سوءاً، حيث تمتص الخرسانة والأسفلت الحرارة طوال اليوم وتطلقها ببطء في الليل، مما يعني أن الأحياء السكنية يمكن أن تظل حارة بعد فترة طويلة من غروب الشمس، فتتحول المنازل إلى وحدات لتخزين الحرارة.

وهناك انقسام طبقي قاسٍ في هذه القصة. فالعائلات الأكثر ثراءً يمكنها غالباً النجاة من الخطر بشراء أنظمة تبريد فعالة وجدران عازلة ونوافذ أفضل، أو السكن في مناطق أكثر خضرة. أما الأسر الفقيرة فلا تستطيع ذلك عادةً. ففي العديد من البلدان، يعيش المستأجرون ذوو الدخل المحدود في مبانٍ قديمة وأقل كفاءة، ويواجهون فواتير كهرباء مرتفعة. وحتى عندما يتوفر التكييف، قد يقلل الناس من استخدامه خوفاً من الفاتورة. وهذا ليس مجرد إزعاج بسيط، بل هو فشل في منظومة الصحة العامة يتنكر في صورة مشكلة ميزانية.

الأدلة من الكوارث السابقة دامغة. فخلال موجة الحر في شيكاغو عام 1995، توفي مئات الأشخاص، معظمهم من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم في منازل سيئة التبريد وأحياء تفتقر للدعم الاجتماعي. وفي موجة الحر الأوروبية عام 2003، توفي عشرات الآلاف في جميع أنحاء القارة، وأظهرت التحقيقات لاحقاً مدى استخفاف الحكومات بالخطر داخل المنازل، خاصة بين كبار السن المعزولين. وفي "القبة الحرارية" التي ضربت شمال غرب المحيط الهادئ عام 2021، حيث وصلت درجات الحرارة لمستويات قياسية في أماكن يقل فيها استخدام تكييف الهواء، أبلغت مقاطعة كولومبيا البريطانية عن مئات الوفيات المفاجئة. وقال المسؤولون لاحقاً إن العديد من الضحايا كانوا من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم في منازل أصبحت حارة بشكل خطير.

وهنا غالباً ما يصبح الحديث المعتاد عن المناخ ضعيفاً. فالسياسيون يحبون الإشادة بالقدرة على الصمود، والمطورون العقاريون يفضلون تسويق الاستدامة الفاخرة، والمدن تعشق المخططات البراقة للمناطق الخضراء. وفي هذه الأثناء، ينام ملايين الناس العاديين في مبانٍ شديدة الحرارة. الحقيقة الصعبة هي أن التكيف مع المناخ يُعامل كأمر ثانوي، بينما يجب أن يكون جزءاً أساسياً من البنية التحتية. فالمدينة التي لا تستطيع حماية سكانها داخل منازلهم أثناء موجة الحر ليست مستعدة للمناخ، بل هي مدينة مكشوفة أمام الخطر.

الأسباب ليست غامضة. فالمباني في العديد من البلدان ذات المناخ المعتدل صُممت أساساً للحفاظ على الدفء في الداخل وليس لإبقائه في الخارج. والآن، تتصادم موجات الحر المتكررة مع خيارات العزل السيئة، وقوانين البناء الضعيفة، والغطاء الشجري المحدود، والتصميم الحضري الذي يعطي الأولوية لحركة المرور والعقارات على حساب حياة الإنسان. وهناك أيضاً تأخر ثقافي، ففي بعض الأماكن، لا يزال يُنظر إلى الحرارة على أنها مجرد إزعاج وليس خطراً قاتلاً. تبدو الفيضانات دراماتيكية على شاشات التلفزيون، لكن الحرارة تقتل في صمت، وهذا يجعل تجاهلها أسهل حتى تصل أعداد الوفيات.

الآثار الصحية تتجاوز أيضاً ضربة الشمس، وهذه نقطة أخرى يغفل عنها الكثيرون. فالحرارة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أمراض القلب، وإجهاد الكلى، وأمراض الجهاز التنفسي، ومشاكل الصحة العقلية. كما أنها تعطل النوم، والليالي الحارة المتتالية تمنع الجسم من التعافي. وقد ربطت الأبحاث بين ارتفاع درجات الحرارة ليلاً وزيادة معدلات الوفيات. وهذا أمر مهم لأن تغير المناخ لا يرفع درجات الحرارة القصوى في النهار فقط، بل إن الليالي تزداد دفئاً أيضاً في العديد من الأماكن. اليوم الحار خطير، لكن سلسلة من الليالي الحارة تكون مرهقة جداً.

وتمتد العواقب إلى ما هو أبعد من المستشفيات والمشرحات. فالأطفال يجدون صعوبة في التعلم في المنازل والفصول الدراسية شديدة الحرارة، والعمال يذهبون إلى أعمالهم منهكين بعد ليالٍ بلا نوم. ويزداد الطلب على الطاقة مع اعتماد المزيد من الأسر على التبريد، مما يضع ضغطاً على شبكات الكهرباء التي قد تكون بالفعل تحت ضغط بسبب الجفاف أو حرائق الغابات أو العواصف. وهنا توجد حلقة مفرغة، فمع ارتفاع الحرارة، يحتاج المزيد من الناس إلى تكييف الهواء. وإذا كانت هذه الكهرباء لا تزال تأتي من الوقود الأحفوري، فإن تبريد أزمة ما قد يغذي الأزمة التالية. وهذه ليست حجة ضد التبريد، بل هي دعوة لشبكات كهرباء أنظف ومبانٍ أكثر ذكاءً.

الحلول بسيطة بشكل ملحوظ، وربما لهذا السبب لا تحظى بالاهتمام الكافي. فقوانين البناء الأفضل مهمة، وكذلك الأسقف الباردة، والتظليل الخارجي، والتهوية الجيدة، والعزل الذي يعمل في الصيف والشتاء، وزراعة الأشجار في الأحياء التي حُرمت منها طويلاً. وتساعد مراكز التبريد العامة، لكنها ليست كافية وحدها. فلا يمكن للناس قضاء كل ليلة خطيرة في مكتبة أو صالة رياضية. يجب أن يكون الهدف هو توفير مساكن آمنة من الحرارة، وليس مجرد مأوى للطوارئ.

على الحكومات أيضاً أن تتوقف عن التظاهر بأن الحصول على التبريد هو من الكماليات. ففي الحر الشديد، لا يقل أهمية عن التدفئة في الشتاء في المناخات الباردة. وقد بدأت بعض المدن والدول في التكيف، ففرنسا غيرت أجزاء من نظام استجابتها للحرارة بعد كارثة عام 2003، كما أطلقت مدن من أثينا إلى لوس أنجلوس خطط عمل لمواجهة الحرارة ومشاريع تظليل وأنظمة إنذار. لكن الوتيرة لا تزال بطيئة جداً، ويعتمد الكثير على المكان الذي يعيش فيه الشخص، ونوع المالك لديه، وما إذا كان قادراً على دفع فاتورة الكهرباء.

ليس هناك غموض حول ما يفعله عالم أكثر حرارة. فهو يدخل من السقف، ويستقر في الجدران، وينتظر طوال الليل. فتغير المناخ لا يقتصر على إذابة الأنهار الجليدية أو تغيير السواحل البعيدة، بل يغير أيضاً مفهوم الأمان الأساسي في المنزل. وهذا يجب أن يحطم الفكرة القديمة الكسولة القائلة بأن الحرارة هي مجرد طقس صيفي وأن التبريد مجرد راحة. فعندما تتحول المنازل إلى أفران، تتوقف سياسة المناخ عن كونها مجردة، وتصبح مسألة حياة أو موت على عتبة غرفة نومك.

Source: Editorial Desk

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Climate