لماذا يعد الاندفاع نحو مجتمع خالٍ تماماً من النقد خطأً فادحاً

٢٧ مارس ٢٠٢٦

لماذا يعد الاندفاع نحو مجتمع خالٍ تماماً من النقد خطأً فادحاً

لطالما تم الاحتفاء بالتحول العالمي نحو مجتمع خالٍ تماماً من النقد، على مدى العقد الماضي تقريباً، باعتباره انتصاراً حتمياً للتقدم التكنولوجي. ويفترض المستهلكون وصناع السياسات على حد سواء إلى حد كبير أن التخلي عن العملات الورقية لصالح المحافظ الرقمية، والبطاقات اللاتلامسية، والتحويلات عبر الهاتف المحمول، يجعل الحياة اليومية أكثر أماناً ونظافة وكفاءة. وتشير الرواية السائدة إلى أن النقد عبء قديم، وأثر من الماضي مكانه المتاحف وليس التجارة الحديثة. ومع ذلك، وتحت القشرة اللامعة لراحة الدفع السلس بلمسة واحدة، تكمن هشاشة نظامية عميقة ومتزايدة. إن نقل اقتصاد بأكمله إلى شبكات الدفع الرقمية لا يؤدي ببساطة إلى تحديث الدولة؛ بل إنه يركز المخاطر دون قصد، ويخصخص البنية التحتية العامة، ويهدد بعزل ملايين الأشخاص الضعفاء عن النظام المالي.

وتتجلى نقاط الضعف الناجمة عن الاعتماد الحصري على المعاملات الرقمية بوضوح عندما تتعطل التكنولوجيا التي تعتمد عليها. ولنأخذ على سبيل المثال انقطاع الاتصالات الواسع الذي ضرب كندا في يوليو من عام 2022. فعندما تعطلت خدمات مزود شبكة رئيسي، وجد ملايين المواطنين أنفسهم فجأة غير قادرين على شراء البقالة، أو التزود بالوقود، أو دفع تكاليف النقل العام بسبب شلل نظام الدفع الوطني ببطاقات الخصم المباشر. وحتى في السويد، وهي الدولة التي طالما اُعتبرت رائدة عالمياً في ثورة التخلي عن النقد، بدأ الحماس يتراجع ليحل محله الحذر. فبحلول أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انخفضت المعاملات النقدية في السويد بشكل كبير لدرجة أن البنك المركزي (الريكس بنك) أصدر تحذيرات عاجلة بشأن تعرض البلاد للهجمات السيبرانية، والدول المعادية، والكوارث الطبيعية. ودفع إدراك أن انقطاعاً محلياً في شبكة الكهرباء يمكن أن يوقف الاقتصاد السويدي بأكمله نظرياً، الحكومةَ إلى إقرار تشريعات تلزم البنوك الكبرى بمواصلة تقديم الخدمات النقدية.

وبعيداً عن التهديد المباشر للفشل التكنولوجي، فإن الإلغاء الشديد للأموال المادية يهمش الفئات الأكثر ضعفاً بشكل غير متناسب. في الولايات المتحدة، تظهر البيانات التي جمعتها المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع باستمرار أن ملايين الأسر تظل غير متعاملة مع البنوك تماماً، وتعتمد بشكل صارم على العملة المادية لتدبير أمور معيشتها اليومية. وبالمثل، كشفت المراجعة الشاملة للوصول إلى النقد التي نُشرت في المملكة المتحدة في عام 2019 أن حوالي ثمانية ملايين شخص بالغ في البلاد سيواجهون صعوبات في التكيف مع مجتمع خالٍ من النقد. وغالباً ما يكون هؤلاء من كبار السن، وسكان المناطق الريفية الذين يعانون من ضعف اتصال الإنترنت، وأصحاب الدخل المنخفض الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف باقات بيانات الهواتف الذكية، والناجين من العنف الأسري الذين يعتمدون على مدخرات مخفية من الأموال المادية للهروب من المواقف الخطيرة. وعندما يرفض تجار التجزئة والخدمات الأساسية التعامل بالنقود الورقية، يتم إقصاء هؤلاء الأفراد فعلياً من الاقتصاد الاستهلاكي.

وكثيراً ما يُفهم الزخم وراء هذا التحول الرقمي بشكل خاطئ على أنه ظاهرة يحركها المستهلكون بحتة، ولكنه في الواقع موجه بشكل كبير بواسطة مصالح الشركات. فصيانة أجهزة الصراف الآلي، ونقل الأموال بشكل آمن، وتوظيف الكوادر في الفروع المصرفية الفعلية، تمثل تكاليف لوجستية كبيرة للمؤسسات المالية. ومن خلال التحفيز القوي للمدفوعات الرقمية، يمكن للبنوك تقليل نفقاتها العامة بشكل كبير. علاوة على ذلك، تمتلك الشركات متعددة الجنسيات المتخصصة في معالجة المدفوعات مصلحة راسخة في القضاء على النقد، حيث تولد كل عملية دفع رقمية رسوم معاملات جزئية ومساراً مربحاً للغاية لبيانات المستهلكين. إن الاختفاء التدريجي للنقد من الشركات المحلية لا يتعلق كثيراً بخدمة المصلحة العامة، بل يتعلق أكثر بتعظيم ربحية المؤسسات، مما يحول البنية المالية من مرفق عام إلى بنية تحتية خاصة تخضع لرسوم العبور.

وتمتد العواقب المجتمعية لهذا التحول عميقاً في مجالات الخصوصية والحريات المدنية. فالعملة المادية تظل الشكل الوحيد من أموال البنوك المركزية الذي يسمح للمواطنين بإجراء معاملات مجهولة الهوية بين الأفراد دون وساطة بنك تجاري أو شركة تكنولوجيا عملاقة. وفي نظام بيئي خالٍ تماماً من النقد، يتم تسجيل كل عملية شراء، وتبرع، وتحرك جغرافي بشكل دائم وتخزينها من قبل كيانات خاصة. وتُجمع هذه الثروة من البيانات بشكل روتيني للإعلانات المستهدفة، لكنها تخلق أيضاً جهاز مراقبة غير مسبوق. ويقدم التاريخ أدلة كافية على أنه عندما يتم المساس بالخصوصية المالية بالكامل، فإن احتمالية تجاوز المؤسسات تنمو بشكل هائل. إن القدرة على تجميد أصول المواطن أو مراقبة انتماءاته السياسية من خلال سجل مشترياته، تحول النظام المالي من أداة تبادل محايدة إلى أداة قوية للسيطرة السلوكية.

إن عكس هذا التيار بالكامل ليس أمراً واقعياً أو ضرورياً بشكل صارم، حيث تقدم المدفوعات الرقمية بلا شك فائدة هائلة، ولكن يجب إرساء توازن وقائي. ويجب على المشرعين الاعتراف رسمياً بالنقد كبنية تحتية عامة أساسية وليس كمنتج سوقي من الماضي. وقد سنت بالفعل عدة بلديات وولايات في الولايات المتحدة، بما في ذلك فيلادلفيا ونيوجيرسي وماساتشوستس، قوانين تحظر على مؤسسات التجزئة رفض النقد المادي، لضمان بقاء التجارة في متناول الجميع. وعلى نطاق أوسع، ينبغي للجهات التنظيمية المصرفية الوطنية أن تُلزم المؤسسات المالية التجارية بالحفاظ على حد أدنى من التغطية الجغرافية لأجهزة الصراف الآلي المجانية الاستخدام، لضمان عدم ترك الأحياء الريفية والمنخفضة الدخل عالقة في صحاري مصرفية.

بالإضافة إلى ذلك، وفي حين أن الاقتصادات الكبرى على مستوى العالم تستكشف تطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية، يجب تصميم هذه البدائل الرقمية بقدرات صارمة للعمل دون اتصال بالإنترنت وضمانات قوية للخصوصية إذا كانت ستخدم الجمهور بشكل فعال. فالعملة الرقمية التي تحاكي الخصائص المادية للنقد، والتي تسمح بتحويلات مجهولة الهوية من جهاز إلى آخر دون الحاجة إلى اتصال بالإنترنت، يمكن أن تسد الفجوة بين التقدم التكنولوجي والمرونة النظامية. ومع ذلك، وإلى أن يتم نشر مثل هذه التقنيات عالمياً، واختبارها على أرض الواقع، واكتسابها لثقة الجمهور العميقة، تظل الأموال المادية هي صمام الأمان النهائي الذي لا يمكن إفساده.

لا يمكن إنكار راحة المعاملات الرقمية، ولكن يجب على المجتمع أن يوازن بين هذه الراحة وتكلفة الهشاشة النظامية والإقصاء الاجتماعي. فالنقود الورقية تعمل بشكل مستقل عن شبكات الكهرباء، وشبكات الهاتف المحمول، وسياسات بيانات الشركات. إنها لا تتعطل، ولا يمكن اختراقها من قبل خصوم عن بُعد، ولا تميز ضد أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة أحدث الهواتف الذكية. وبينما يتسابق العالم نحو أفق رقمي متزايد، فإن الحفاظ على الحق العالمي في الدفع بالعملة المادية ليس مقاومة قائمة على الحنين إلى الماضي ضد التقدم. بل هو دفاع حيوي عن الشمول الاقتصادي، والخصوصية الشخصية، والمرونة الوطنية. إن التخلي عن النقد بالكامل هو مقامرة خطيرة تقايض الأمن العميق للمنفعة العامة بالسهولة العابرة لتمريرة رقمية.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Analysis