الغياب المتكرر عن المدرسة.. أزمة صامتة تهدد التعليم بعد الجائحة
٢ أبريل ٢٠٢٦
لم تعد أزمة التعليم الكبرى تقتصر على درجات الامتحانات. في العديد من البلدان، أصبح غياب الطلاب المتكرر عن المدرسة مشكلة ملحة بحد ذاتها، وواحدة من أخطر التحديات التي تواجه التعليم.
لسنوات، ركز الحديث عن خسائر التعليم أثناء الجائحة على انخفاض درجات الامتحانات. كان هذا حقيقياً، لكنه لم يكن المشكلة الكاملة. حدث تحول أعمق في العديد من الأنظمة التعليمية، وهو أن الطلاب لم يعودوا يحضرون بانتظام كما كانوا، وكثيرون لم يستعيدوا عادات الحضور القديمة بالكامل. النتيجة ليست مجرد تعلم أقل بالمعنى الأكاديمي، بل هي انهيار أكثر هدوءاً في إيقاع الحياة المدرسية الأساسي.
حجم المشكلة أصبح من الصعب تجاهله الآن. في الولايات المتحدة، أظهرت البيانات أن الغياب المتكرر ارتفع بشكل كبير بعد عام 2020. وفي أماكن كثيرة، تضاعفت نسبة الطلاب الذين يتغيبون 10% على الأقل من العام الدراسي مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة. وبحلول عامي 2022 و2023، أبلغت عدة ولايات عن معدلات غياب متكرر تقترب من 30% أو تتجاوزها. هذا يعني أن طالباً واحداً تقريباً من كل ثلاثة طلاب غاب شهراً أو أكثر عن المدرسة. وظهرت مخاوف مماثلة في أماكن أخرى. في إنجلترا، أظهرت البيانات التعليمية الرسمية أن الغياب المستمر ظل أعلى بكثير من معدلات ما قبل الجائحة، مع تحذير المدارس من أن عادات الحضور قد ضعفت لدى جميع الفئات العمرية. وفي أستراليا، أبلغت السلطات التعليمية والباحثون أيضاً عن انخفاض حاد في الحضور، خاصة بين الطلاب المحرومين وفي المجتمعات النائية.
هذا الأمر مهم لأن الحضور ليس قضية جانبية، بل هو أحد أقوى مؤشرات النجاح المدرسي. فقد أظهرت الأبحاث مراراً أن الطلاب الذين يتغيبون أكثر هم الأكثر عرضة للمعاناة أكاديمياً وإعادة الصفوف وترك المدرسة دون مؤهلات قوية. غياب أيام في السنوات الأولى يمكن أن يبطئ تطور القراءة. وفي المرحلة الثانوية، يمكن أن يفصل الطلاب عن المقررات الدراسية التي يصعب تعويضها في المنزل. وعندما تتراكم أيام الغياب، يصبح اللحاق بالركب صعباً عاطفياً وعملياً.
قد يميل البعض لاعتبار هذا الأمر مشكلة انضباط، أو افتراض أن الأسر أصبحت أقل التزاماً بالتعليم. لكن الأدلة تشير إلى شيء أكثر تعقيداً. غيرت الجائحة طريقة تفكير الناس في الحضور والمرض والروتين والمخاطر. تعلمت العائلات إبقاء أطفالها في المنزل عند ظهور أولى أعراض المرض. كان هذا منطقياً خلال حالة طوارئ صحية، لكن في بعض الأماكن استمرت هذه العادة بعد انتهاء الأزمة. في الوقت نفسه، رأى العديد من الآباء كيف يمكن أن يكون مستوى التعليم متفاوتاً خلال التعلم عن بعد، وأصبحوا أقل اقتناعاً بأن كل يوم في الفصل ضروري. بالنسبة لبعض المراهقين، وخاصة أولئك الذين كانوا يشعرون بالانفصال قبل 2020، كسر الانقطاع الطويل عادة الذهاب إلى المدرسة كل صباح، وكانت العودة أصعب مما توقعه المسؤولون.
الصحة النفسية عامل رئيسي آخر. في السنوات التي تلت إغلاق المدارس، أبلغ أطباء الأطفال والمعلمون والمستشارون في عدة دول عن معاناة المزيد من الطلاب من القلق والاكتئاب وتجنب المدرسة. في الولايات المتحدة، وجد "مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" في عام 2021 أن الفتيات المراهقات على وجه الخصوص أبلغن عن مستويات عالية جداً من الحزن المستمر وسوء الصحة النفسية. كانت تلك النتائج تتعلق بالصحة العامة، وليس فقط الحضور، لكن المدارس رأت الصلة بسرعة. فالطالب الذي يشعر بالإرهاق أو الذعر أو التعب غالباً ما يغيب عن الحصة الأولى، ثم عن أيام كاملة، ثم عن أسابيع بأكملها. بالنسبة لبعض العائلات، أصبح الخط الفاصل بين المشكلة الصحية ومشكلة الحضور غير واضح.
الفقر أيضاً يقع في قلب القصة. الطلاب من الأسر منخفضة الدخل هم أكثر عرضة لمواجهة السكن غير المستقر، ووسائل النقل غير الموثوقة، وواجبات رعاية أفراد الأسرة، والاحتياجات الصحية غير المعالجة، وضغوط العمل. كانت هذه المشاكل موجودة قبل الجائحة، لكن التضخم وأزمة السكن زادت من حدتها. في بعض المناطق التعليمية بالولايات المتحدة، وجد قادة المدارس أن الطلاب كانوا يتغيبون لأن الحافلات غير منتظمة، أو لأن الربو لا يُعالج، أو لأن الآباء لا يستطيعون أخذ إجازة من العمل. في إنجلترا، ربطت الجمعيات الخيرية والمجموعات المدرسية ضعف الحضور بأزمة تكاليف المعيشة وتكاليف الزي المدرسي والمواصلات. وعندما تتحدث الأنظمة المدرسية عن الغياب كما لو كان مجرد مسألة إرادة، فإنها غالباً ما تتجاهل العوائق اليومية التي تواجهها الأسر بالفعل.
تتجاوز العواقب مجرد غياب طفل واحد عن درس واحد. يصف المعلمون الآن فصولاً دراسية اتسع فيها نطاق الاستعداد بين الطلاب. فبعضهم كان حاضراً لمعظم الدروس، بينما غاب آخرون أياماً كافية ليفقدوا تسلسل المنهج الدراسي. هذا يجعل التدريس أصعب على الجميع. الدرس المخطط له لمجموعة سرعان ما يتحول إلى عمل تعويضي لمجموعة أخرى، وتتعثر المشاريع الجماعية. على المدى الطويل، يمكن أن يتحول ضعف الحضور إلى ضعف في الثقة. فالطلاب الذين يشعرون بالتخلف قد ينسحبون، والآباء الذين يشعرون بأنهم موضع حكم قد يتوقفون عن المشاركة. ويمكن للمدارس أن تدخل في حلقة مفرغة حيث يخلق الغياب صعوبات، وتخلق الصعوبات مزيداً من الغياب.
العواقب الاقتصادية كبيرة أيضاً. أظهر باحثو التعليم مراراً أن انخفاض التحصيل الدراسي يرتبط بانخفاض الدخل على مدى الحياة وضعف الاستقرار في سوق العمل. هذا لا يعني أن كل طالب غائب يواجه نفس المستقبل، ولكن على مستوى النظام ككل، يزيد الغياب المدرسي واسع النطاق من خطر ضعف المهارات، وانخفاض معدلات التخرج، وتعميق عدم المساواة. والطلاب الأكثر تضرراً هم غالباً أولئك الذين كانوا بالفعل في وضع هش: الأطفال الفقراء، والطلاب ذوو الإعاقة، وأسر المهاجرين، والشباب في بيوت غير مستقرة. بعبارة أخرى، الغياب المتكرر ليس مجرد مشكلة تعليمية، بل هو مشكلة تتعلق بالعدالة.
الخبر السار هو أن بعض الحلول تنجح. أفضل الأساليب لا تبدأ بالعقاب، بل تبدأ بالبيانات السريعة والتواصل المباشر مع الأسرة والدعم العملي. وجد خبراء الحضور أن المدارس تكون أكثر فاعلية عندما تكتشف الأنماط مبكراً، وتتصل بالمنزل بعد ظهور أولى علامات التحذير، وتسأل عن العوائق. في بعض المناطق التعليمية بالولايات المتحدة، أدت تغييرات صغيرة مثل الرسائل النصية الشخصية، أو المساعدة في النقل، أو متابعة موظف موثوق به، إلى تحسين الحضور أكثر من التهديدات القانونية القاسية. وتؤكد منظمة "Attendance Works" غير الربحية منذ سنوات على ضرورة التعامل مع الغياب المتكرر كعلامة إنذار مبكر، وليس مجرد مخالفة للقواعد.
تحتاج المدارس أيضاً إلى دعم أقوى في مجال الصحة العامة والصحة النفسية. هذا يعني المزيد من المستشارين، وإحالات أسهل، وخطط عودة أكثر هدوءاً للطلاب الذين خرجوا عن الروتين. ويعني أيضاً جعل اليوم الدراسي يبدو جديراً بالحضور. من المرجح أن يحضر الطلاب عندما تكون الفصول مستقرة، والعلاقات قوية، والأنشطة اللاصفية توفر شعوراً بالانتماء. يجب على الأنظمة التعليمية أيضاً أن تكون صريحة بشأن ما تعلمه الآباء أثناء الجائحة: إذا كان للمدرسة أن تكون مهمة كل يوم، فيجب أن يكون كل يوم مهماً بشكل واضح.
يمكن للحكومات المساعدة عن طريق إصلاح الأساسيات التي تقع خارج الفصل الدراسي. فالحافلات المنتظمة، والوجبات ميسورة التكلفة، والممرضات في المدارس، ودعم الإسكان، كلها عوامل تؤثر في الحضور. وكذلك سياسات الغياب الواقعية التي تميز بين المرض قصير الأمد، والاحتياجات الصحية المزمنة، والقلق، وفقدان الدافع. اتباع نهج صارم واحد يناسب الجميع يمكن أن يبعد الأسر أكثر.
كان الافتراض السائد أنه بمجرد إعادة فتح المدارس، سيعود التعليم إلى طبيعته تلقائياً. لكن هذا لم يحدث. أصبح الحضور هو الهيكل الخفي تحت كل نقاش تعليمي آخر، من الإنفاق على التعافي إلى نتائج الامتحانات واستعداد القوى العاملة. يمكن لنظام تعليمي أن يعيد كتابة المعايير، ويشتري برامج جديدة، ويعدل الاختبارات. لكن لا شيء من هذا يهم كثيراً إذا لم يكن الطلاب حاضرين بما يكفي للاستفادة. قد يعتمد مستقبل التعليم بشكل أقل على الإصلاحات الكبرى، وأكثر على وعد أساسي: جعل المجيء إلى المدرسة كل يوم ممكناً وآمناً وجديراً بالاهتمام.
Source: Editorial Desk