إلزام الموظفين بالعودة للمكتب يحوّل رحلتهم اليومية إلى عبء على الشركات

٢ أبريل ٢٠٢٦

إلزام الموظفين بالعودة للمكتب يحوّل رحلتهم اليومية إلى عبء على الشركات

اعتقد كثير من المديرين أن العودة للمكتب هي الحل لمشاكل ثقافة العمل والإنتاجية. لكن الأدلة تشير الآن إلى أن رحلة الذهاب للعمل نفسها أصبحت تكلفة على الشركات. فهي تدفع الموظفين للاستقالة، وتعيق التوظيف، وتضعف الأداء الذي تسعى الشركات لتحسينه.

لسنوات طويلة، تعامل كثير من المديرين مع رحلة الذهاب اليومي للعمل كأمر واقع ومحايد في الحياة الوظيفية. كانت ببساطة الثمن الذي يُدفع مقابل جمع الموظفين في مكان واحد. لكن هذا الافتراض يصطدم الآن بواقع عملي أكثر صعوبة. ففي العديد من القطاعات، لم تعد رحلة العمل مجرد إزعاج للموظفين، بل أصبحت تكلفة ملموسة على أصحاب العمل. وهي تؤثر على من يبقى ومن يستقيل، وعلى من يحصل على ترقية، وعلى حجم العمل المنجز.

وهذا هو الجانب الذي لا تزال شركات كثيرة تتجاهله في نقاش العودة للمكتب. غالباً ما يقول القادة إن العمل الحضوري يعزز ثقافة الشركة، ويسرّع اتخاذ القرارات، ويساعد الموظفين الأصغر سناً على التعلم أسرع. وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الأحيان. لكن الأدلة تشير بشكل متزايد إلى أن رحلة العمل الطويلة والمرهقة قد تمحو معظم هذه الفوائد، خاصة عندما تفرض الشركات الحضور الإلزامي بطريقة موحدة على الجميع.

من الصعب تجاهل الأرقام. فقد وجدت أبحاث أجراها اقتصاديون مثل نيكولاس بلوم، ودراسات استخدمت بيانات الرواتب وإعلانات الوظائف، أن الموظفين يقدرون المرونة بقيمة مالية حقيقية. ففي استطلاعات وتحليلات لسوق العمل منذ عام 2022، أظهر الموظفون استعدادهم للتخلي عن جزء من رواتبهم مقابل العمل عن بعد أو بنظام هجين. وهذا يعني أن رحلة العمل ليست مجرد تفضيل شخصي بسيط، بل هي أشبه بخفض في الراتب. فعندما يقضي الموظف ساعة أو ساعتين إضافيتين يومياً في التنقل، وينفق مالاً على الوقود والمواصلات والطعام ورعاية الأطفال، فإن الشركة تطلب منه فعلياً تحمل تكلفة جديدة.

في الولايات المتحدة، تُظهر بيانات مكتب الإحصاء أن متوسط وقت التنقل اليومي يتجاوز بسهولة 50 دقيقة في المناطق الحضرية الكبرى، ويزيد هذا الوقت كثيراً للموظفين في أماكن مثل نيويورك أو واشنطن أو لوس أنجلوس. وفي المملكة المتحدة، أشارت إحصاءات النقل الرسمية أيضاً إلى قضاء وقت طويل في الذهاب للعمل، خاصة لمستخدمي القطارات المتجهين إلى لندن. قد لا تظهر هذه الساعات في ميزانية الشركة، لكنها تؤثر على طاقة الموظفين والتزامهم بالمواعيد ومعنوياتهم. كما أنها تؤثر على القوى العاملة المتاحة. فالأم التي يمكنها العمل من المنزل ثلاثة أيام في الأسبوع قد تبقى في وظيفتها، لكنها قد تستقيل إذا أُمرت بالعودة للمكتب خمسة أيام في الأسبوع.

غالباً ما يقول قادة الأعمال إن إلزام الموظفين بالعودة للمكتب يهدف لزيادة الإنتاجية. لكن دراسات حديثة عديدة شككت في هذا الادعاء. فقد وجدت أبحاث من جامعة ستانفورد ومحللين لسوق العمل أن العمل الهجين يمكن أن يحافظ على الإنتاجية أو حتى يحسنها في أنواع كثيرة من الوظائف، خاصة الأعمال المعرفية التي تعتمد على التركيز بقدر ما تعتمد على التعاون. ووجدت دراسة عشوائية شهيرة أُجريت على شركة تكنولوجيا كبيرة أن النظام الهجين لم يضر بتقييمات الأداء، بل ساعد على خفض معدل ترك الموظفين للعمل، وكان التأثير قوياً بشكل خاص بين النساء ومقدمي الرعاية والموظفين القدامى. وهذا أمر مهم لأن استبدال الموظفين مكلف، حيث تُقدر التكاليف بما يتراوح بين نصف راتب الموظف السنوي وضعفه.

الأسباب الكامنة وراء ذلك ليست غامضة. أولاً، أصبحت رحلات العمل أكثر إرهاقاً مما يتذكره كثير من المديرين. فقد دفعت تكاليف السكن الموظفين للعيش بعيداً عن مراكز المدن. وفي العديد من البلدان، انتقل الموظفون للسكن في أماكن أخرى خلال الجائحة بحثاً عن منازل أوسع أو أرخص، على افتراض أن الحضور اليومي للمكتب أصبح شيئاً من الماضي. في الوقت نفسه، لا تزال أنظمة النقل تعاني من الضغط، مما جعل رحلة العمل أقل موثوقية مما كانت عليه في عام 2019. ببساطة، تحاول الشركات استعادة نموذج عمل مكتبي يعتمد على نظام تنقل وسوق إسكان أصبحا أكثر صعوبة.

ثانياً، العبء ليس متساوياً على الجميع. فكبار القادة، الذين غالباً ما يكون لديهم سيطرة أكبر على مكان سكنهم وكيفية تنقلهم، قد لا يشعرون بنفس الضغط الذي يشعر به صغار الموظفين. فالموظفون ذوو الأجور المنخفضة ينفقون نسبة أكبر من دخلهم على المواصلات، ويواجه مقدمو الرعاية تحديات أكبر في تنظيم أوقاتهم، وقد يفقد الموظفون ذوو الإعاقة المرونة التي اكتسبوها بصعوبة. ووفقاً لدراسات عمل مختلفة، لا تزال النساء يتحملن العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر. لذلك، قد يبدو قرار الحضور الإلزامي عادلاً على الورق، لكن تأثيره يختلف تماماً في الواقع.

هذا التفاوت يخلق عواقب على العمل تتجاوز الإحباط الفردي. يصبح التوظيف أكثر صعوبة عندما تحصر الشركات بحثها عن المواهب في الأشخاص المستعدين للتنقل بانتظام إلى مكان واحد. وقد لاحظ مسؤولو التوظيف أن الوظائف عن بعد أو الهجينة لا تزال تجذب عدداً أكبر بكثير من المتقدمين. وذكرت منصة LinkedIn وغيرها من منصات التوظيف أن الوظائف المرنة تجذب اهتماماً هائلاً. في سوق تنافسي، قد تنجح الشركات التي تصر على الحضور الكامل في ملء الوظائف، ولكن غالباً ما يكون ذلك أبطأ أو بتكلفة أعلى.

هناك أيضاً مشكلة أخرى أقل وضوحاً داخل الشركات: إلزام الحضور قد يؤثر على من يحصل على ترقية. فالموظفون الذين يعيشون بالقرب من المكتب، أو لديهم واجبات رعاية أقل، يكونون أكثر ظهوراً للمديرين. وهذا يمكن أن يخلق نوعاً جديداً من الأفضلية لا علاقة له بالمهارة. وهو يهدد بتقليص فرص التطور الوظيفي للمواهب، في وقت تقول فيه العديد من الشركات إنها تريد توسيعها. بهذا المعنى، فإن رحلة العمل لم تعد مجرد قضية تتعلق بالموظفين، بل أصبحت قضية استراتيجية.

يدافع بعض المديرين عن قراراتهم بالإشارة إلى المكاتب الشاغرة وعقود الإيجار باهظة الثمن. وهذا قلق حقيقي، فالعديد من الشركات وقّعت عقود إيجار طويلة قبل أن يصبح العمل عن بعد أمراً طبيعياً. لكن إجبار الموظفين على الحضور لتبرير تكاليف عقارية مدفوعة بالفعل ليس استراتيجية للنمو. بل هو طريقة لجعل سياسة العمل تخدم قرارات عقارية سابقة. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا بالشركات إلى حماية مبانيها على حساب أدائها.

النهج الأفضل هو أن يكون أكثر انضباطاً وصدقاً. يجب على الشركات أن تبدأ بسؤال نفسها: ما هو العمل الذي يتحسن حقاً بالحضور الشخصي، وكم مرة نحتاج لذلك؟ فالتدريب، والمفاوضات الحساسة، والتخطيط الإبداعي قد تبرر الحضور للمكتب، أما المهام الروتينية فقد لا تحتاج لذلك. الحل الصحيح ليس العمل عن بعد بالكامل للجميع، بل هو الحضور الشخصي الهادف والمرتبط بقيمة عمل حقيقية.

يمكن للشركات أيضاً تقليل تكلفة التنقل بدلاً من التظاهر بأنها غير موجودة. بعضها يقدم بالفعل دعماً للمواصلات أو بدلات تنقل. وشركات أخرى تجمع أيام الحضور الشخصي في المكتب حتى لا يضطر الموظفون للسفر من أجل اجتماعات متفرقة وقليلة القيمة. وفي أجزاء من أوروبا، جرب بعض أصحاب العمل جدولة أكثر تنظيماً أو فتح مكاتب فرعية محلية. الفكرة بسيطة: إذا كان الحضور مهماً، فاجعله يستحق العناء.

يحتاج المديرون إلى التدريب أيضاً. فالمدير الضعيف يمكن أن يجعل العمل الهجين فوضوياً، لكن المدير القوي يمكنه الحفاظ على ترابط الفرق واستغلال وقت المكتب بشكل جيد. كثير من حالات فشل العودة للمكتب ليست في الحقيقة فشلاً للمرونة، بل هي فشل في التخطيط. فالموظفون يكرهون التنقل أكثر عندما يصلون إلى المكتب ليجدوا أنفسهم يقضون اليوم كله في اجتماعات عبر الفيديو.

الدرس الأوسع هو أن رحلة العمل لم تعد تفصيلاً ثانوياً في حياة الشركات، بل أصبحت جزءاً من الراتب، ومن استراتيجية الاحتفاظ بالموظفين، ومن المنافسة. الشركات التي تفهم هذا ستكون لديها فرصة أفضل للاحتفاظ بالموظفين المهرة. أما الشركات التي لا تفهم ذلك، فقد تستمر في الخلط بين الحضور الفعلي والالتزام، حتى مع تزايد استقالات الموظفين وضعف التوظيف، وهما أمران يرويان قصة مختلفة.

المكتب لم يصبح شيئاً من الماضي. لكن الافتراض القديم بأن على الموظفين تحمل تكلفة الوصول إليه بصمت قد انتهى. في سوق عمل أكثر تطلباً، تحول هذا الافتراض من مجرد عادة إلى عبء على الشركة. الشركات الذكية ستتوقف عن التعامل مع رحلة العمل كمشكلة للموظف، وستبدأ في التعامل معها كقرار عمل استراتيجي.

Source: Editorial Desk

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Business