الحروب الصليبية لم تغادر ساحة المعركة قط

١ أبريل ٢٠٢٦

الحروب الصليبية لم تغادر ساحة المعركة قط

يعتقد الكثير من الناس أن مكان الحروب الصليبية هو المتاحف وكتب التاريخ والأطلال السياحية. الرأي السائد هو أنها انتهت منذ قرون، وأن أهميتها اليوم تقتصر على الباحثين والحجاج والأعمال الدرامية التاريخية. لكن الحروب لا تُخاض بالأسلحة والدرونز فقط، بل تُخاض أيضاً بالذاكرة. ومن هذا المنطلق، لم تنته الحروب الصليبية بالكامل أبداً. فلا تزال لغتها ورموزها وأساطيرها تظهر في الصراعات الحديثة، وغالباً ما تزيد من انعدام الثقة وتغذي الدعاية وتجعل الدبلوماسية أصعب.

الأمر ليس مجرد استعارة لغوية. فقد أعادت جماعات مسلحة وحركات سياسية وحتى مسؤولون غير حذرين إحياء فكرة الحرب المقدسة بين المسيحية والإسلام مراراً وتكراراً. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، استخدم الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش كلمة "حملة صليبية" لوصف الحملة القادمة ضد الإرهاب، قبل أن يسارع البيت الأبيض للتراجع عن هذا الوصف. أثار هذا التصريح القلق في جميع أنحاء العالم الإسلامي، لأن المصطلح يحمل ذاكرة طويلة من الغزو والحصار والعنف الديني. لم يكن رد الفعل هذا مبالغة رمزية، بل أظهر كيف يمكن للغة التاريخية أن تغير أجواء صراع قائم بالفعل.

لقد فهمت الجماعات المتطرفة هذا الأمر لسنوات. فقد وصف تنظيم القاعدة، ومن بعده تنظيم الدولة الإسلامية، العمليات العسكرية الغربية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة بأنها هجوم صليبي جديد. لم تعتمد دعايتهم على الدقة التاريخية، بل اعتمدت على الوضوح العاطفي. فمن خلال تصوير الحروب الحديثة بمصطلحات من العصور الوسطى، حولوا الصراعات المحلية إلى معارك حضارية. وقد أظهرت الأبحاث أن رسائل المتطرفين تكون أكثر فاعلية عندما تقدم للمجندين قصة بسيطة عن الإذلال والانتقام والواجب المقدس، وإطار الحروب الصليبية يفعل ذلك بالضبط.

والأدلة على انتشار هذا الخطاب واسعة. فغالباً ما كانت وسائل إعلام تنظيم الدولة الإسلامية تشير إلى الدول الغربية على أنها قوى "صليبية" وتصف الحكومات العربية المحلية بأنها متعاونة معها. وفي أوروبا، استخدم متطرفو اليمين نفس اللغة من الجانب الآخر. فقد وصف منفذ هجوم النرويج عام 2011، أندرس بريفيك، نفسه بصورة المقاتل الصليبي. كما أشار قاتل المصلين في مسجد كرايستشيرش عام 2019 إلى معارك تاريخية بين أوروبا المسيحية والقوى الإسلامية. لم تكن هذه إشارات عابرة، بل كانت جزءاً من جهد أكبر لتحويل الهوية إلى ساحة معركة والمدنيين إلى رموز.

هذا الأمر مهم لأن صراعات اليوم هجينة للغاية. لم تعد الحرب تقتصر على ما يحدث في جبهات القتال، بل تشمل أيضاً التجنيد عبر الإنترنت، والهجمات الرمزية، والخوف المجتمعي. أسطورة الحروب الصليبية مفيدة في هذه البيئة لأنها تختزل الصراعات السياسية المعقدة في سيناريو قديم وسهل الانتشار: عقيدة واحدة، شعب واحد، عدو واحد. قضى المؤرخون عقوداً في إثبات أن الحروب الصليبية في العصور الوسطى كانت أكثر تعقيداً مما تقترحه الأسطورة الشائعة، إذ شملت مصالح تجارية وعنفاً وحشياً ضد الجميع. لكن الدعاية تزدهر على التبسيط، لا على التفاصيل الدقيقة.

ليس من الصعب تتبع الأسباب الكامنة وراء ذلك. تلجأ الجهات السياسية الفاعلة إلى صور الحروب الصليبية عندما تريد أن تجعل الصراع الحالي يبدو قديماً ومقدساً وحتمياً. وهذا له تأثير قوي في لحظات الخوف، فهو يحول التسوية إلى خيانة. من الناحية العملية، يمكن أن يساعد هذا الحركات المسلحة في تجنيد المقاتلين وتبرير الهجمات على المدنيين. كما يمكنه مساعدة القادة السياسيين في حشد الجماهير المحلية عندما تفتقر الحرب إلى مبرر واضح.

هناك أيضاً سبب ثقافي لبقاء هذا النموذج. فقد أبقت الأفلام والألعاب والشعارات السياسية الشهيرة على صورة مشوهة للحروب الصليبية كمنافسة نظيفة بين معسكرين بطوليين. لكن في الواقع، السجل التاريخي أكثر قتامة وفوضوية. فقد عُرف نهب القدس عام 1099 بالقتل الجماعي. أما الحملة الصليبية الرابعة عام 1204، فقد هاجمت القسطنطينية المسيحية، وهو ما كشف عن السرعة التي يمكن أن تتحول بها الحرب المقدسة إلى نهب وسياسة قوة. يجب أن يحذر هذا التاريخ أي شخص يميل إلى إضفاء طابع رومانسي على لغة الحروب الصليبية.

العواقب وخيمة. في الشرق الأوسط، يمكن لخطاب الحروب الصليبية أن يعزز الاعتقاد بأن التدخل الأجنبي هو دائماً احتلال بشكل آخر. هذا لا يعني أن كل عمل عسكري يُنظر إليه بهذه الطريقة، ولكنه يعني أن الكلمات يمكن أن توسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والاستقبال الشعبي. في العراق بعد عام 2003، اكتسبت روايات المتمردين قوة ليس فقط من أحداث المعارك، ولكن أيضاً من الشعور بأن الغرباء يعيدون تشكيل البلاد بالقوة. في تلك الأجواء، ساعدت اللغة الرمزية في تصوير الحرب كجزء من سلسلة أطول من الإذلال.

في أوروبا وأمريكا الشمالية، يمكن لنفس الأسطورة أن تزيد من حدة السياسات المعادية للمسلمين وترفع خطر العنف المحلي. حذرت الأجهزة الأمنية مراراً من أن تطرف اليمين هو أحد أسرع التهديدات نمواً في العديد من الدول الغربية. وقد أشارت وكالة يوروبول إلى أن نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين غالباً ما تتداخل مع روايات الحرب الحضارية. وتتناسب رمزية الحروب الصليبية تماماً مع هذه النظرة للعالم، فهي تجعل الجيران يبدون كغزاة وتحول التعددية العادية إلى قصة حصار.

التأثير الإنساني أقل وضوحاً ولكنه حقيقي بنفس القدر. عندما تُصوَّر الصراعات على أنها مقدسة أو حضارية، يصبح استهداف المدنيين أسهل، لأنه يتم التعامل معهم كأعضاء في معسكر معادٍ. يعتمد القانون الإنساني الدولي على التمييز وضبط النفس، وقصص الحرب الحضارية تتعارض مع هذه المبادئ. فهي تشجع على اللوم الجماعي، وتجعل التعايش بعد العنف أصعب بكثير، وتترك الأقليات عالقة بين أطراف مسلحة يدعي كلاهما الصواب التاريخي.

إذاً، ما الذي يجب فعله؟ أولاً، يجب على القادة السياسيين والعسكريين التوقف عن استخدام لغة الحروب الصليبية، حتى بشكل عابر. ففي مناطق الصراع، لا تكون الرمزية عابرة أبداً. ثانياً، يجب على المدارس تدريس تاريخ الحروب الصليبية بمزيد من الصدق. فالفهم التاريخي الأفضل لن ينهي التطرف، لكنه يمكن أن يضعف إحدى أكثر أساطيره قوة. ثالثاً، يجب على منصات التكنولوجيا والباحثين مواصلة تتبع استخدام صور الحروب الصليبية في بيئات المتطرفين، فهي علامة إنذار مبكر.

للزعماء الدينيين دور أيضاً. فقد أمضت المؤسسات المسيحية والإسلامية سنوات في بناء حوار بين الأديان يرفض فكرة وجود حرب أبدية بين الديانتين. قد يبدو هذا العمل ضعيفاً بجانب وحشية الصراعات الحديثة، لكنه مهم لأنه يعطل السيناريو الذي يريد المتطرفون فرضه. ويجب على الدبلوماسيين دعم هذا الجهد، خاصة في الأماكن التي تكون فيها ذاكرة الصراع نشطة سياسياً.

الدرس الأعمق غير مريح. تستمر الحروب الصليبية ليس لأن تاريخ العصور الوسطى يسيطر علينا، ولكن لأن مقاتلي وأيديولوجيي اليوم يستمرون في تحويله إلى سلاح. إذا استمر هذا الأمر، فستظل حرب قديمة تطارد الحروب الجديدة. وعندما يتم تسويق صراع على أنه مقدس ولا نهائي، يصبح من الأصعب بكثير إعادته إلى النطاق الإنساني الذي لا يزال السلام فيه ممكناً.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Conflict & War