لماذا يعد الحفاظ على أراضي الخث الموحلة أكثر أهمية للمناخ من زراعة مليارات الأشجار
٢٧ مارس ٢٠٢٦

يحمل الخيال الشعبي صورة راسخة لإنقاذ المناخ تتمحور بالكامل تقريباً حول صفوف لا نهاية لها من الشتلات المزروعة حديثاً والتي تنتشر عبر كوكب يزداد اخضراراً. وكثيراً ما تتعهد الشركات والحكومات والمنظمات الخيرية على حد سواء بزراعة الملايين، بل والمليارات من الأشجار، لتعويض بصمتها الكربونية واستعادة التوازن الطبيعي للغلاف الجوي. تبدو هذه الفكرة بديهية وملموسة وتبعث على الاطمئنان العميق لدى جمهور يتوق إلى إجراءات بيئية ملموسة. ومع ذلك، فإن هذا التركيز المكثف والممول بكثافة على التشجير العالمي غالباً ما يخفي حقيقة مفاجئة حول كيفية تنفس الكوكب وتنظيمه لدرجات الحرارة. فالافتراض بأن الغابات الجديدة الشاسعة تمثل قمة تخزين الكربون يتجاهل نظاماً بيئياً مختلفاً تماماً، وأقل جاذبية بكثير، ظل يكتنز كربون العالم بهدوء لآلاف السنين.
تتكون هذه التضاريس الحيوية إلى حد كبير من الطين المبلل، والطحالب المتحللة، والمياه الراكدة. أراضي الخث، التي بالكاد تغطي 3% من مساحة اليابسة في العالم، تخزن ما يقرب من ضعف كمية الكربون الموجودة في جميع غابات العالم مجتمعة. وقد أبرزت البيانات التي جمعها برنامج الأمم المتحدة للبيئة مراراً هذا التناقض الصارخ، حيث أظهرت أن هذه المستنقعات المغمورة بالمياه تحتوي على مواد عضوية غير متحللة تعود لقرون مضت، ومحبوسة بأمان تحت السطح. وعبر المساحات الشاسعة في نصف الكرة الشمالي، بما في ذلك كندا والدول الاسكندنافية وروسيا، وكذلك في المناطق الاستوائية الكثيفة في جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، تحتوي أراضي الخث على خزانات هائلة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وعندما ينظر الناس إلى مستنقعات طينية مترامية الأطراف أو أراضٍ مغمورة بالمياه، نادراً ما يرون فيها منقذاً للمناخ. ومع ذلك، يؤكد الإجماع العلمي بحزم أن هذه الأراضي الكثيفة والإسفنجية هي أكثر مصارف الكربون الأرضية كفاءة على وجه الأرض.
تشرح آليات عمل أراضي الخث هذه القدرة الاستثنائية وتكشف سبب اختلافها الكبير عن الغابات العادية. ففي النظام البيئي المعتاد للغابات، تتعفن الشجرة الساقطة في النهاية، وتطلق عملية التحلل الطبيعي ثاني أكسيد الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي في دورة سريعة نسبياً. أما أراضي الخث فتعمل وفقاً لقواعد فيزيائية مختلفة تماماً. ونظراً لأن الأرض مشبعة بالمياه بشكل دائم، فإن الأكسجين يُحجب إلى حد كبير عن التربة الموجودة تحت السطح. والمواد النباتية التي تموت وتسقط في المستنقع لا يمكنها ببساطة أن تتحلل بالكامل في هذه البيئة الخالية من الأكسجين. وبدلاً من ذلك، تنضغط طحالب "السفاجنوم" والأعشاب والشجيرات وجذور الأشجار ببطء على مدى آلاف السنين لتتحول إلى طبقات عميقة وكثيفة من الخث، مما يؤدي فعلياً إلى دفن الكربون. ومع ذلك، فإن عملية التوازن القديمة هذه هشة للغاية؛ فبمجرد أن يتدخل الإنسان لتغيير منسوب المياه، ينكسر هذا السحر الوقائي. ولعقود من الزمن، حفر المطورون الزراعيون وشركات الغابات التجارية خنادق تصريف عميقة عبر أراضي الخث العالمية لتجفيف التربة من أجل المحاصيل ورعي الماشية، والمفارقة هنا، من أجل مزارع الأشجار التجارية. وبمجرد تصريف المياه، يتدفق الأكسجين على الفور إلى طبقات الخث العميقة، وتبدأ الكائنات الحية الدقيقة في تفكيك المواد العضوية القديمة بسرعة، لتطلق آلاف السنين من الكربون المخزن مباشرة إلى السماء.
إن عواقب عملية التجفيف هذه مروعة وتتضح بشكل متزايد على نطاق عالمي. فالخث المجفف يصبح قابلاً للاشتعال بشكل لا يصدق، مما يحول ما كان في السابق خزنة طبيعية للكربون إلى خطر بيئي هائل. وتقدم حرائق الغابات الإندونيسية المدمرة في عام 2015 مثالاً قاتماً وذا أهمية تاريخية على هذه الهشاشة. فمن أجل إخلاء الأراضي لإنشاء مزارع مربحة لزيت النخيل والورق، تم تجفيف مساحات شاسعة من أراضي الخث الاستوائية القديمة بشكل منهجي. وعندما اندلعت الحرائق حتمياً خلال موسم جفاف غير معتاد، لم تكتفِ بحرق الغطاء النباتي السطحي فحسب، بل امتدت في أعماق الأرض عبر طبقات الخث المجففة. ومن المعروف أن هذه الحرائق الجوفية يصعب إخمادها وتنتج ضباباً دخانياً ساماً وكثيفاً للغاية. ووجد الباحثون الذين حللوا أزمة عام 2015 أنه خلال ذروة الكارثة، تجاوزت الانبعاثات الكربونية اليومية الناتجة عن حرائق الخث الإندونيسية الانبعاثات الكربونية اليومية للاقتصاد الأمريكي بأكمله. وإلى جانب الأضرار الجوية الكارثية، تسبب الضباب الناتج في أزمات تنفسية حادة في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، مما يوضح كيف يتحول التدهور البيئي المحلي بسرعة إلى كارثة دولية في مجال الصحة العامة. وفي أوروبا، تطارد أخطاء تاريخية مماثلة أماكن مثل منطقة "فلو كونتري" في اسكتلندا، حيث شجعت الحوافز الضريبية الحكومية في منتصف القرن العشرين ملاك الأراضي على تجفيف المستنقعات القديمة لزراعة غابات الصنوبر التجارية. وقد عانت الأشجار غير الأصلية لتنمو في التربة شديدة الحموضة، لكن الصرف العميق نجح في تدمير النظام البيئي للمستنقعات، مما أدى إلى إطلاق هائل ومستمر للكربون المخزن، والذي يعمل العلماء ودعاة حماية البيئة الآن فقط على حسابه وعكس مساره.
إن الاعتراف بهذه الأنماط المدمرة يتطلب تحولاً جذرياً في كيفية توجيه تمويل المناخ العالمي واستراتيجيات الحفاظ على البيئة واسعة النطاق. تظل زراعة الأشجار عنصراً حيوياً في استعادة الأراضي المتدهورة ودعم التنوع البيولوجي، ولكن لا يمكن التعامل معها كحل شامل للمناخ، خاصة عندما تُزرع تلك الأشجار في أراضي خث مجففة أو متضررة. ويدعو علماء البيئة بشكل متزايد إلى تحول هائل نحو الحفاظ على النظم البيئية واستعادتها، وتحديداً من خلال عملية تُعرف باسم "إعادة الترطيب". فمن خلال إغلاق خنادق الصرف الزراعي القديمة عمداً والسماح لمستويات المياه بالارتفاع والعودة إلى حالتها الطبيعية، يمكن لعلماء الحفاظ على البيئة إيقاف تحلل الخث بسرعة وحبس الكربون المتبقي مرة أخرى في الأرض. وقد أثبتت البرامج التجريبية للترميم في جميع أنحاء المملكة المتحدة وألمانيا وفنلندا بالفعل أن إعادة ترطيب المستنقعات يمكن أن تقلل بشكل كبير من انبعاثات الكربون من التربة في غضون سنوات قليلة من التنفيذ. وعلاوة على ذلك، يجب أن تتطور أسواق الكربون الدولية وأطر الإعانات الحكومية لتضع قيمة مالية للحفاظ على فدان موحل من أراضي الخث السليمة تعادل القيمة التي تضعها حالياً لزراعة فدان من الأشجار الجديدة.
تتطلب مكافحة احترار الكوكب أن ينظر المجتمع إلى ما هو أبعد من تفضيلاته الجمالية للغابات البكر والمبادرات البيئية الاستعراضية الجذابة. فهي تتطلب احتراماً هادئاً ومدروساً للنظم البيئية الخام التي تحملت العبء الأكبر في تنظيم الغلاف الجوي منذ نهاية العصر الجليدي الأخير. إن قبول القوة الهائلة لأراضي الخث في العالم يفرض نضجاً ضرورياً في التفكير البيئي، نضجاً يدرك أن حلول المناخ الأكثر فاعلية ليست دائماً تلك التي تبدو في أبهى صورها في كتيبات استدامة الشركات. إن إدراك الإمكانات الكاملة لتخزين الكربون العالمي سيتطلب منا أن نبلل أحذيتنا، ونحمي المستنقعات الراكدة من التطوير العمراني، ونسمح لخزائن الطبيعة الموحلة والقديمة بالبقاء دون أي مساس على الإطلاق.