لم يعد مرض المدخنين.. فيروس صامت يسبب وباء سرطان الحلق بين الرجال الأصحاء

٣١ مارس ٢٠٢٦

لم يعد مرض المدخنين.. فيروس صامت يسبب وباء سرطان الحلق بين الرجال الأصحاء

كان لسرطان الحلق وجه يمكن التنبؤ به لأجيال عديدة. فقد كان بشكل شبه حصري مرض المدخنين الشرهين ومدمني الكحول، ويظهر عادةً لدى كبار السن من الرجال بعد عقود من تعاطي التبغ والكحول. لكن إذا دخلت اليوم إلى قسم أورام الرأس والعنق، فستجد أن التركيبة السكانية للمرضى مختلفة تماماً. يعالج الأطباء بشكل متزايد رجالاً أصحاء ونشطين في الأربعينات والخمسينات من العمر لم يلمسوا سيجارة في حياتهم. والمسؤول عن هذا التحول الجذري ليس سماً بيئياً أو طفرة جينية أو مادة كيميائية جديدة في الغذاء، بل هو فيروس الورم الحليمي البشري، وهو عدوى واسعة الانتشار وشبه خفية تنتقل بشكل أساسي عبر الجنس الفموي.

تُظهر الأرقام تحولاً وبائياً كبيراً فاجأ الكثير من الناس. فوفقاً لبيانات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أصبح فيروس الورم الحليمي البشري، المعروف اختصاراً بـ HPV، السبب الرئيسي لسرطان البلعوم الفموي في الولايات المتحدة والعديد من الدول المتقدمة الأخرى، متجاوزاً بذلك التبغ. في الواقع، زادت سرطانات الحلق المرتبطة بالفيروس بسرعة كبيرة خلال العقدين الماضيين لدرجة أنها تفوقت على سرطان عنق الرحم، لتصبح أكثر الأورام الخبيثة شيوعاً المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري. ويربط الباحثون هذه الزيادة بسلالة فيروسية محددة تُعرف بـ HPV-16، وهي شديدة الانتشار، وتنتقل بسهولة بين الشركاء، ولديها قدرة فريدة على تغيير البنية الخلوية للأنسجة البشرية بمرور الوقت.

لفهم كيف غيّر فيروس شائع قواعد علم الأورام، يجب أن ننظر إلى كيفية تعامل رسائل الصحة العامة تاريخياً مع المخاطر الجنسية. لعقود طويلة، ركزت التوعية الجنسية بشكل كبير على منع الحمل والحد من انتشار أمراض مدمرة ومغيرة للحياة مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز). وفي هذا السياق، كان يُنظر إلى العلاقة الحميمة الفموية على نطاق واسع، بل وكان يُروّج لها أحياناً بشكل ضمني، على أنها بديل أكثر أماناً للعلاقة الجنسية التقليدية. ثقافياً، لطالما عومل الجنس الفموي كسلوك منخفض المخاطر لأنه يزيل خطر الحمل ويحمل خطراً أقل بكثير لنقل بعض الأمراض التناسلية الكلاسيكية. لكن بينما يوفر هذا السلوك حاجزاً طبيعياً ضد بعض العواقب، فإنه لا يوفر أي حماية على الإطلاق ضد انتقال فيروس الورم الحليمي البشري.

ينتشر الفيروس عن طريق التلامس الجلدي المباشر، مما يجعله شديد العدوى. ويشير علماء الأوبئة إلى أن الفيروس شائع جداً لدرجة أن كل شخص نشط جنسياً تقريباً سيصاب بسلالة واحدة منه على الأقل خلال حياته. بالنسبة لغالبية الناس، يتعرف الجهاز المناعي على الفيروس ويتخلص من العدوى في غضون عام أو عامين، دون أن يترك أي ضرر دائم. لكن في نسبة صغيرة من الأفراد، يستمر الفيروس. وعندما ينتقل إلى الحلق، يمكن أن يظل كامناً في الشقوق العميقة للوزتين أو قاعدة اللسان لعقود. ومع مرور السنين، تغير العدوى الفيروسية المستمرة بهدوء الحمض النووي للخلايا المضيفة، محولةً الأنسجة السليمة ببطء إلى أورام خبيثة.

عواقب هذا التطور الصامت مدمرة، خاصة بالنسبة للرجال. تُظهر بيانات الصحة العامة أن الرجال يشخصون بسرطان الحلق المرتبط بفيروس الورم الحليمي بمعدلات أعلى بنحو أربع مرات من النساء. ولا تزال الأسباب الدقيقة لهذا التفاوت الكبير بين الجنسين موضوع دراسة طبية مكثفة، رغم أن العديد من الباحثين يشتبهون في أن الرجال يطورون بشكل طبيعي استجابة مناعية أضعف للفيروس مقارنة بالنساء، مما يجعل من الصعب على أجسامهم التخلص من العدوى بشكل طبيعي.

عندما يظهر السرطان أخيراً، غالباً على شكل كتلة غير مؤلمة في الرقبة أو التهاب مستمر في الحلق، يكون العلاج قاسياً للغاية. يجب أن يخضع المرضى لعلاج إشعاعي وكيماوي مكثف يستهدف التراكيب الحساسة والمتركزة في الحلق واللسان والغدد اللعابية. ورغم أن معدل النجاة من سرطان الحلق المرتبط بالفيروس جيد جداً مقارنة بسرطان المدخنين التقليدي، إلا أن الأضرار الجانبية للعلاج تكون عميقة. يمكن أن تضعف العلاجات القوية بشكل دائم قدرة المريض على بلع الطعام العادي، أو تذوق وجباته، أو التحدث بوضوح. وإلى جانب العبء الجسدي الهائل، هناك عبء نفسي عميق. فغالباً ما يعاني المرضى من صدمة ووصمة اكتشاف أن فعلاً حميمياً شائعاً من شبابهم البعيد قد أدى إلى مرض يهدد حياتهم في ذروة نضجهم.

يتطلب عكس هذا الاتجاه إعادة تقويم شاملة لاستراتيجيات الصحة العامة، بدءاً بالوقاية الأولية. أقوى أداة متاحة للطب الحديث هي لقاح فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يوفر حماية شبه كاملة ضد سلالات الفيروس المسببة للسرطان. ولكن، عندما طُرح اللقاح لأول مرة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركزت الحملات الصحية بالكامل تقريباً على الفتيات الصغيرات بهدف القضاء على سرطان عنق الرحم. هذه الرسائل الموجهة لجنس واحد دون الآخر تركت جيلاً من الشبان دون حماية وغير مدركين تماماً لمخاطرهم الشديدة. وتدفع المؤسسات الطبية وأطباء الأطفال الآن بقوة من أجل تطعيم شامل ومحايد جنسياً، مؤكدين أن الأولاد يحتاجون إلى اللقاح بنفس إلحاح الفتيات. إن تحقيق معدلات تطعيم عالية بين المراهقين الصغار، قبل فترة طويلة من أن يصبحوا نشطين جنسياً، هو الطريقة الوحيدة المؤكدة لوقف الفيروس قبل أن يتمكن من التجذر في جيل جديد.

بالنسبة للبالغين الذين تجاوزوا بالفعل السن الأمثل للتطعيم، يسابق المجتمع الطبي الزمن لتطوير أدوات فحص أفضل. على عكس سرطان عنق الرحم، الذي يمكن اكتشافه في مراحله المبكرة من خلال مسحة عنق الرحم الروتينية، لا يوجد حالياً اختبار فحص موثوق وغير جراحي لفيروس الورم الحليمي البشري في الحلق. فبحلول الوقت الذي يصبح فيه الورم مرئياً أو يسبب أعراضاً، يكون السرطان قد ترسخ بالكامل.

يُعد الارتفاع السريع في سرطان الحلق المرتبط بفيروس الورم الحليمي البشري تذكيراً صارخاً بمدى سرعة تغير مشهد الأمراض البشرية. كان الانخفاض المطرد في معدلات التدخين خلال أواخر القرن العشرين انتصاراً هائلاً للصحة العامة، وكان من المفترض أن يؤدي إلى اختفاء سرطانات الرأس والعنق تدريجياً من التاريخ الطبي. لكن بدلاً من ذلك، أدت السلوكيات البشرية المتغيرة وفيروس انتهازي إلى ظهور تهديد جديد تماماً. تتطلب مواجهة هذه الأزمة الحديثة تجاوز الحرج المحيط بكيفية الإصابة بالمرض وتحديث فهم الجمهور للصحة الجنسية. وإلى أن يتوسع تعريف الجنس الآمن ليشمل المخاطر الحقيقية والمغيرة للحياة لانتقال الفيروس إلى الحلق، سيستمر هذا السرطان الذي يمكن الوقاية منه في حصد أصوات وصحة الآلاف.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Health