لماذا يستنزف أسبوع العمل المكون من أربعين ساعة إنتاجية الشركات بهدوء
٢٧ مارس ٢٠٢٦

لأكثر من قرن من الزمان، عمل عالم الأعمال الحديث بناءً على افتراض بسيط للغاية. يتمثل هذا الاعتقاد في أن الوقت يساوي الإنتاج، وبالتالي، فإن أسبوع العمل المكون من أربعين ساعة هو المعيار الأساسي للنجاح الاقتصادي، وأن أي ساعات إضافية تترجم مباشرة إلى زيادة في قيمة الشركة. لا يزال هذا المنطق، الذي يعود إلى العصر الصناعي، يملي على الشركات كيفية جدولة نوبات العمل، وتقييم تفاني الموظفين، وقياس الصحة التنظيمية. فهو يفترض أن المحاسب أو المحلل أو مهندس البرمجيات يعمل تماماً مثل حزام النقل في المصنع، حيث يعني تشغيله لوقت أطول بالضرورة تعبئة المزيد من المنتجات. ومع ذلك، تشير مجموعة متزايدة من الأدلة الاقتصادية إلى أن هذا الافتراض الأساسي خاطئ تماماً. فبدلاً من دفع عجلة الابتكار والنمو، يؤدي الهوس المستمر بساعات العمل الطويلة إلى تآكل الأداء المعرفي ويستنزف الميزانيات العمومية للشركات بهدوء.
نقطة التحول في فهم هذه الديناميكية لم تأتِ من نشطاء عماليين راديكاليين، بل من خبراء اقتصاد تقليديين وأبحاث مؤسسية واسعة النطاق. فعندما فحص باحثون في جامعة ستانفورد العلاقة بين ساعات العمل والإنتاجية، وجدوا انخفاضاً حاداً في الإنتاج الفعلي بعد الساعة الخمسين من العمل في الأسبوع. وأظهرت البيانات أن الموظف الذي يعمل سبعين ساعة لا ينتج تقريباً أي شيء أكثر من الموظف الذي يعمل خمسة وخمسين ساعة. وقد تجسد هذا الاكتشاف الأكاديمي على أرض الواقع خلال تجربة ضخمة أُجريت في المملكة المتحدة طوال عام 2022. فقد خفضت أكثر من ستين شركة، تتراوح من المؤسسات المالية إلى المطاعم المحلية، ساعات عمل موظفيها بنسبة عشرين بالمئة دون تخفيض أجورهم. وفي نهاية البرنامج التجريبي الذي استمر ستة أشهر، وجد باحثون من جامعة كامبريدج وكلية بوسطن أن إيرادات الشركات لم تنخفض. بل على العكس، ارتفعت الإيرادات بشكل طفيف بمتوسط يزيد قليلاً عن واحد بالمئة، في حين انخفضت معدلات غياب الموظفين بشكل كبير.
وهذه ليست ظاهرة معزولة تقتصر على الشركات البريطانية. ففي الفترة بين عامي 2015 و2019، أجرت حكومة آيسلندا تجربتين واسعتي النطاق لتقليص أسبوع العمل، حيث خفضت الساعات من أربعين إلى خمس وثلاثين أو ست وثلاثين ساعة لآلاف العمال في المكاتب والمستشفيات والمدارس. وأظهرت النتائج أن الإنتاجية إما بقيت كما هي تماماً أو تحسنت بشكل كبير في الغالبية العظمى من أماكن العمل. وأبلغ الموظفون عن انخفاضات كبيرة في مستويات التوتر والاحتراق الوظيفي، وهو ما تُرجم مباشرة إلى أيام مرضية أقل وانخفاض كبير في معدل دوران الموظفين بالنسبة لأصحاب العمل. وعندما أصبح الوقت المتاح للموظفين على مكاتبهم محدوداً، تخلوا بطبيعة الحال عن العادات غير المنتجة. وبدون المساحة الزمنية الواسعة التي يوفرها أسبوع الأربعين ساعة، أصبحت الاجتماعات أقصر، وتم تحديد أولويات المهام اليومية بإلحاح أكبر.
يكمن السبب الكامن وراء هذه المفارقة في علم الأحياء البشري وعلم نفس بيئة العمل. فالدماغ البشري ليس محرك احتراق يمكنه العمل باستمرار طالما توفر له الوقود. بل هو عضو بيولوجي يعمل في دورات طبيعية من التركيز المكثف والتعب الضروري. وعندما تطالب الشركات بانتباه مستمر لثماني ساعات أو أكثر يومياً، فإنها تستدعي الإرهاق المعرفي حتماً. فالقشرة الجبهية في الدماغ، المسؤولة عن حل المشكلات المعقدة واتخاذ القرارات، لا يمكنها ببساطة الحفاظ على مستوى عالٍ من الأداء دون فترات راحة كبيرة. وللتعامل مع هذا المطلب المستحيل، يقوم الموظفون بتنظيم وتيرة عملهم لا شعورياً. وتتجسد هذه الظاهرة بشكل مثالي في "قانون باركنسون"، وهو القول المأثور الذي ينص على أن العمل يتوسع ليملا الوقت المتاح لإنجازه. وفي ثقافة يُنظر فيها إلى مغادرة المكتب في الساعة الرابعة عصراً على أنها نقص في الالتزام، سيقوم الموظفون حتماً بمد ثلاث ساعات من العمل العميق والمركز لتصبح ثماني ساعات من التواجد السطحي. كما أن بيئة الشركات الحديثة، المليئة بالاجتماعات التي لا تنتهي والمراسلات الرقمية المستمرة، تزيد من تشتت الانتباه، مما يجعل من شبه المستحيل إنجاز المهام ذات القيمة العالية بكفاءة.
إن عواقب تجاهل هذه الحدود البيولوجية مدمرة اقتصادياً. فظاهرة "الحضور الصوري"، المتمثلة في حضور الموظفين إلى العمل وهم في حالة صحية أو نفسية سيئة مع ضعف شديد في الأداء، تكلف الاقتصادات العالمية أكثر بكثير من الغياب الفعلي. ووفقاً لتقديرات تاريخية درست الصحة في مكان العمل، فإن التوتر المزمن والإرهاق المرتبط به يكلفان الاقتصاد الأمريكي مئات المليارات من الدولارات سنوياً في شكل إنتاجية مهدرة ونفقات طبية ودوران الموظفين. ويعد ارتفاع معدل دوران الموظفين وحده ضريبة خفية هائلة على الشركات. فعندما يستقيل موظف يعاني من الاحتراق الوظيفي، تُظهر بيانات الموارد البشرية باستمرار أن تكلفة توظيف وتأهيل وتدريب بديل كفء تكلف الشركة ما بين نصف إلى ضعف الراتب السنوي لذلك الموظف. ولا يأخذ هذا الرقم في الاعتبار المعرفة المؤسسية الحيوية التي تضيع عندما يغادر موظف متمرس. ومن خلال فرض جداول عمل مرهقة باسم تحقيق أقصى قدر من الكفاءة، تنزف الشركات رأس مالها من خلال الباب الدوار للمواهب المنهكة.
يتطلب عكس هذا الاتجاه المدمر تحولاً هيكلياً جذرياً في كيفية عمل الشركات وقياسها للنجاح. ويجب على قادة الشركات الانتقال من الإدارة القائمة على المراقبة، حيث يُخلط باستمرار بين الساعات المسجلة والقيمة الحقيقية المُبتكرة، نحو مقاييس الأداء القائمة على المخرجات. وهذا يعني تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس للموظفين ومنحهم الاستقلالية لتحقيق تلك الأهداف في وقت أقل. كما أن الانتقال إلى الاتصال غير المتزامن، حيث لا يُتوقع من الموظفين الرد الفوري على كل رسالة داخلية، يمكن أن يسترد فوراً ساعات من التركيز المفقود. وعندما يتوقف المديرون عن المطالبة بردود فورية، يمكن للموظفين في الواقع إنهاء المشاريع الصعبة التي تم توظيفهم لإنجازها. وعلاوة على ذلك، يجب على صناعات بأكملها أن تبدأ في التفكير جدياً في التبني واسع النطاق لأسبوع عمل أقصر. فمن خلال التخفيض الدائم لساعات العمل الأساسية، تفرض الشركات تحديداً طبيعياً لأولويات المهام، مما يقضي بشكل طبيعي على الترهل الإداري الذي يخنق جداول العمل التقليدية.
لم يعد الابتعاد عن روتين العمل الشاق المكون من أربعين ساعة خيالاً طوباوياً. بل هو استراتيجية حيوية لبقاء الشركات في اقتصاد معقد قائم على المعرفة. إن الاستمرار في إدارة القوى العاملة الحديثة بجداول زمنية صارمة تعود إلى أرضيات المصانع في القرن العشرين يعد فشلاً ذريعاً للقيادة الحديثة. فالكفاءة الحقيقية لا تأتي من استنزاف كل ثانية ممكنة من حياة الموظف لإرضاء عرف ثقافي عفا عليه الزمن. بل تأتي من تنمية بيئات تُمنح فيها العقول الحادة والنشطة المساحة لحل المشكلات الصعبة. وفي النهاية، يجب أن تستيقظ الشركات على حقيقة بسيطة لا تقبل الجدل: الراحة ليست رفاهية تُمنح للأشخاص ذوي الإنتاجية العالية، ولا هي مكافأة سخية لعمل تم إنجازه بشكل جيد. بل هي الشرط الأساسي المطلق وغير القابل للتفاوض لإنجاز عمل عظيم في المقام الأول.