لماذا تثبت اقتصاديات الدعم النقدي غير المشروط خطأ المشككين

٢٧ مارس ٢٠٢٦

لماذا تثبت اقتصاديات الدعم النقدي غير المشروط خطأ المشككين

لعقود من الزمن، استندت المفاهيم الاقتصادية التقليدية إلى نظرة متشائمة بوضوح تجاه الطبيعة البشرية. وينطلق هذا من افتراض بسيط ولكنه عميق التأثير، وهو: إذا منحت الناس المال دون شروط صارمة، فسوف يتوقفون عن العمل ببساطة. وقد شكل هذا الاعتقاد السائد أنظمة الرعاية الاجتماعية الحديثة في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى متاهة من اختبارات تقييم الدخل، والرقابة البيروقراطية، وشروط الاستحقاق الصارمة المصممة لمنع وباء نظري من الكسل. ومع ذلك، تكشف مجموعة متزايدة من الأبحاث العالمية عن حقيقة مذهلة تتحدى الأساس الذي تقوم عليه هذه الفلسفة الاقتصادية. فتقديم الدعم النقدي غير المشروط للأسر المتعثرة لا يؤدي إلى بطالة جماعية أو ركود اقتصادي. بل على العكس، غالباً ما يعمل كمحفز قوي للمشاريع المحلية، والارتقاء الاجتماعي والمهني، والمرونة الاقتصادية الكلية على المدى الطويل.

تتحدى البيانات المستمدة من تجارب واقعية حديثة وموثقة جيداً سردية الاعتماد على المساعدات بشكل مباشر. ففي مدينة ستوكتون بولاية كاليفورنيا، قام برنامج تجريبي بارز يُعرف باسم "عرض ستوكتون للتمكين الاقتصادي" بتوزيع 500 دولار شهرياً على مجموعة من السكان تم اختيارهم عشوائياً، دون أي شروط على الإطلاق. وتوقع المنتقدون على الفور أن المستفيدين سينفقون الأموال على سلع تافهة ويقللون من ساعات عملهم. لكن البيانات التي جُمعت على مدار التجربة أظهرت عكس ذلك تماماً. فقد وجد باحثون من جامعة تينيسي وجامعة بنسلفانيا أن أولئك الذين حصلوا على الدخل المضمون انتقلوا إلى العمل بدوام كامل بمعدل يزيد عن ضعف معدل المجموعة الضابطة التي لم تتلق الدعم. وأُنفقت الأموال في الغالبية العظمى منها على الضروريات الأساسية مثل البقالة وفواتير الخدمات والنقل. وقد تكررت قصة مشابهة على المستوى الدولي؛ إذ تُظهر المراجعات الشاملة التي أجراها البنك الدولي لبرامج التحويلات النقدية غير المشروطة في عشرات الدول النامية، بما في ذلك المبادرات الضخمة في كينيا والبرازيل، بشكل مستمر عدم وجود تراجع منهجي في المشاركة في سوق العمل. في الواقع، لاحظ الباحثون في العديد من المجتمعات الريفية زيادة ملحوظة في تأسيس المشاريع الصغيرة والإنتاج الزراعي، حيث سمح الضخ المفاجئ لرأس المال للأسر بشراء بذور أفضل، أو إصلاح الأدوات الأساسية، أو تأمين وسائل النقل الموثوقة واللازمة لنقل بضائعهم إلى الأسواق.

ولفهم سبب خطأ المشككين المستمر، يجب النظر عن كثب إلى آليات الفقر الساحقة نفسها. غالباً ما تفشل النماذج الاقتصادية السائدة في مراعاة الخسائر الفادحة، الإدراكية والمالية، الناتجة عن الندرة. ولطالما أشار علماء الاقتصاد السلوكي إلى أنه عندما تعيش الأسرة في حالة طوارئ مالية مستمرة، يُجبر العقل البشري على الدخول في حالة من التركيز على الأولويات العاجلة، مما يجعل التخطيط طويل الأجل شبه مستحيل. ويمكن لأي نفقة بسيطة وغير متوقعة -مثل تعطل سخان المياه، أو فاتورة طبية مفاجئة، أو انفجار إطار سيارة- أن تغرق الأسرة في دوامة من الديون الاستغلالية. في المقابل، يوفر الحد الأدنى للدخل النقدي غير المشروط ما يطلق عليه الاقتصاديون "السيولة". وهو يعمل كممتص للصدمات المالية. فعندما لا يشعر الناس بالشلل بسبب الرعب المباشر من التشرد أو الجوع، يصبحون قادرين أخيراً على خوض المخاطر المحسوبة التي تدفع عجلة التقدم الاقتصادي. يمكنهم تحمل تكلفة رفض وظيفة استغلالية في "الاقتصاد المؤقت" لقضاء أسبوع في إجراء مقابلات للحصول على وظيفة مستقرة بدوام كامل، ويمكنهم دفع تكاليف رعاية الأطفال اللازمة للعودة إلى المدارس المهنية. ونادراً ما يكون السبب الكامن وراء الركود الاقتصادي بين الفقراء هو الافتقار إلى الطموح؛ بل هو الافتقار المطلق لرأس المال المطلوب لتحويل هذا الطموح إلى واقع.

إن عواقب تجاهل هذه النتائج صادمة، حيث تكلف الاقتصادات المتقدمة والنامية مليارات لا تُحصى من الإمكانات المهدورة. فمن خلال التمسك بخرافة "الاعتماد على المساعدات"، تبني الحكومات أنظمة رعاية اجتماعية تعمل وكأنها هياكل مراقبة عقابية. وتستنزف التكلفة الإدارية الهائلة لمراقبة الفقراء، وتدقيق حساباتهم المصرفية، وضمان تلبيتهم لمتطلبات البحث المستمر عن عمل، خزائن الدولة دون تحقيق نمو اقتصادي ملموس. علاوة على ذلك، غالباً ما تخلق الرعاية المشروطة آلية عكسية تُعرف باسم "هاوية المزايا". فإذا حصل عامل مهمش على زيادة طفيفة في الراتب أو عمل بضع ساعات إضافية، فإنه يخاطر بفقدان مساعدات السكن أو الغذاء بالكامل، وهو ما يشجعه بلغة الأرقام على البقاء في حالة عمالة ناقصة. وتحبس هذه الديناميكية رأس المال البشري في قاع السلم الاقتصادي. وعندما يُحرم ملايين الأفراد القادرين على العمل من المشاركة الفعالة في الاقتصاد الأوسع بسبب فخاخ الفقر الهيكلية، تعاني أمم بأكملها، حيث يعاني الاقتصاد الأشمل من قمع الطلب الاستهلاكي، وتراجع الابتكار المحلي، والتكاليف الاجتماعية المتسلسلة المرتبطة بضعف الصحة العامة والتهميش الذي يمتد عبر الأجيال.

يتطلب عكس هذا الاتجاه تحولاً جذرياً في كيفية تعامل الحكومات مع شبكات الأمان الاجتماعي والتحفيز الاقتصادي. يجب على صناع السياسات البدء في تفكيك الهياكل العقابية الواسعة للرعاية المشروطة لصالح أنظمة مبسطة قائمة على الثقة. ولا ينبغي النظر إلى تنفيذ حد أدنى مضمون للدخل أو توسيع الإعفاءات الضريبية غير المشروطة على أنها مجرد أعمال خيرية من الدولة، بل هي استثمارات حيوية في البنية التحتية للقوى العاملة البشرية. ويجب على الحكومات على المستويين الوطني والمحلي التركيز على توسيع نطاق البرامج التجريبية الناجحة في العقد الماضي لتصبح سياسة اقتصادية كلية دائمة. إن استبدال برامج الرعاية الاجتماعية المعقدة بالتحويلات النقدية المباشرة يقلل من الهدر الإداري، مما يسمح لنسبة أعلى من الأموال العامة بالوصول فعلياً إلى المجتمعات الأكثر احتياجاً. ومن خلال الثقة في المواطنين لتخصيص الأموال حيث تشتد الحاجة إليها -سواء كان ذلك لإصلاح سيارة للوصول إلى وظيفة أفضل أو شراء مخزون لمشروع تجاري منزلي- يمكن للدولة تطبيق اللامركزية بفعالية في التحفيز الاقتصادي، مما يضمن تدفق رأس المال مباشرة إلى الشركات المحلية واقتصادات الأحياء.

لفترة طويلة جداً، تحكم الخوف من "المنتفعين بالمجان" في السياسة الاقتصادية العالمية، مما أدى إلى معاقبة الأغلبية بسبب خطايا متخيلة لقلة من الناس. لكن الأدلة الواردة من ستوكتون إلى نيروبي تروي قصة أكثر تفاؤلاً وواقعية حول الطبيعة البشرية والمشاركة الاقتصادية. فالناس بطبيعتهم يريدون تحسين أوضاعهم المعيشية، وإعالة أسرهم، والمساهمة بشكل هادف في مجتمعاتهم، وإنهم ببساطة يحتاجون إلى الأساس المادي للقيام بذلك. ولن تتحقق المرونة الاقتصادية الحقيقية أبداً من خلال الشك والمراقبة والإدارة التفصيلية الصارمة. بل ستُبنى من خلال الثقة أخيراً في المواطنين كعناصر اقتصادية قادرة، وإدراك أن أعظم محرك غير مستغل للنمو في أي مجتمع هو الإمكانات الكامنة والمحررة لشعبه.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Economy