الأزمة الصامتة: لماذا يشعر الكثير من الشباب بالوحدة اليوم؟

٢٧ مارس ٢٠٢٦

الأزمة الصامتة: لماذا يشعر الكثير من الشباب بالوحدة اليوم؟

غالباً ما يُتصور أن الوحدة مشكلة مرتبطة بالشيخوخة: شخص مسن يعيش بمفرده، منزل هادئ، أو فترة ما بعد ظهيرة فارغة. لكن الباحثين يشيرون بشكل متزايد إلى اتجاه مختلف. ففي جميع أنحاء العالم، العديد من الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة الشديدة ليسوا من كبار السن، بل هم الأصغر سناً. وتقول منظمة الصحة العالمية الآن إن الوحدة تؤثر على حوالي 1 من كل 6 أشخاص على مستوى العالم، وإنها أكثر شيوعاً بين المراهقين والشباب، حيث يبلغ عنها نحو 1 من كل 5 أشخاص في هذه الفئات العمرية.

هذا هو أحد الأسباب التي جعلت العلماء وخبراء الصحة العامة لم يعودوا يتعاملون مع الوحدة كحزن شخصي أو حالة مزاجية عابرة. بل يناقشونها بشكل متزايد باعتبارها حالة اجتماعية لها عواقب حقيقية. وقد ربطت أعمال منظمة الصحة العالمية بشأن التواصل الاجتماعي بين الوحدة وتدهور الصحة وانخفاض مستوى الرفاهية، في حين تفيد منظمة اليونيسف بأن 1 من كل 7 مراهقين حول العالم يعيشون مع حالة تتعلق بالصحة النفسية. وهذان الأمران ليسا شيئاً واحداً، لكن التداخل بينهما مهم: فعندما يشعر الشباب بالانفصال، أو غياب الدعم، أو التهميش، قد تكون التكلفة العاطفية باهظة.

وقد وجدت مجموعات بحثية أخرى علامات تشير إلى أن هذا ليس مجرد نمط محلي أو مؤقت. فقد أفادت دراسة عبر وطنية واسعة الاستشهاد بأن الشعور بالوحدة في المدارس ارتفع بين عامي 2012 و2018 في 36 من أصل 37 دولة شملتها الدراسة، وأن نسبة المراهقين الذين يعانون من مستويات مرتفعة من الوحدة المدرسية في عام 2018 كانت تقريباً ضعف ما كانت عليه في عام 2012. ومؤخراً، وجدت دراسة شملت ثماني دول أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً أبلغوا عن شعورهم بالوحدة، وهو معدل أعلى بكثير من كبار السن في نفس البيانات.

إذن، ماذا يحدث؟

لا يشير العلماء إلى سبب واحد. بل يصفون شبكة من الضغوط التي يمكن أن تبعد الشباب عن بعضهم البعض بصمت، حتى في الوقت الذي يبدو فيه العالم أكثر اتصالاً من أي وقت مضى. وقد وجدت مراجعة منهجية أجريت عام 2024 شملت 105 دراسات طولية حول الوحدة لدى الأشخاص دون سن 25 عاماً، مؤشرات ثابتة مثل ضعف القبول من الأقران، والتنمر أو الوقوع ضحية، والاكتئاب، والقلق الاجتماعي، والأعراض الموجهة للداخل (الاستبطانية)، وتدني احترام الذات، والخجل، والعصابية. بعبارة أخرى، غالباً ما لا تقتصر الوحدة على "البقاء وحيداً" فحسب، بل تتعلق أيضاً بالشعور بعدم الأمان أو الاستبعاد أو الانفصال العاطفي حتى في حضور الآخرين.

وتُعد الحياة الرقمية جزءاً من هذا النقاش، رغم حرص الباحثين على عدم إلقاء اللوم على التكنولوجيا وحدها. فقد وجدت مراجعات أُجريت في عامي 2024 و2025 أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بضعف النوم وتدهور نتائج الصحة النفسية لدى الشباب، رغم أن الدراسات تشير أيضاً إلى أن اتجاه السبب معقد وليس مباشراً دائماً. فبعض الشباب قد يصبحون أكثر وحدة بسبب العادات غير الصحية على الإنترنت، في حين قد يلجأ آخرون إلى الاستخدام المكثف للإنترنت لأنهم يشعرون بالوحدة بالفعل. وما هو أكثر وضوحاً هو أن الانخراط الرقمي المفرط أو المرهق يمكن أن يعطل النوم، ويزيد من المقارنات، ويقلل من جودة التواصل في العالم الحقيقي.

قد يساعد هذا في تفسير أحد التناقضات الغريبة في حياة الشباب الحديثة. فالعديد من الشباب نادراً ما ينقطعون عن الإنترنت، ومع ذلك لا يزالون يشعرون بالضياع الاجتماعي. يمكنهم إرسال الرسائل باستمرار، وتصفح الشاشات بلا نهاية، ومع ذلك ينهون يومهم بشعور بأن لا أحد يعرفهم حقاً. وقد أبرز "تقرير السعادة العالمي" علامة أخرى مثيرة للقلق: ففي عام 2023، قال 19% من الشباب حول العالم إنه ليس لديهم أي شخص يمكنهم الاعتماد عليه للحصول على الدعم الاجتماعي، بزيادة قدرها 39% عن عام 2006. يشير هذا الرقم إلى أن المشكلة لا تتعلق ببساطة بوقت الشاشة، بل تتعلق أيضاً بالثقة والانتماء وتراجع الشعور بوجود شخص سيقف بجانبهم عندما تصبح الحياة صعبة.

ومن المرجح أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تزيد المشكلة سوءاً. فالشباب اليوم يبلغون سن الرشد في فترة تتسم بالضغط الأكاديمي، وارتفاع تكاليف السكن، وعدم استقرار أسواق العمل، والاضطرابات السياسية، والقلق المناخي، والآثار اللاحقة الطويلة المدى للوباء. وأشارت منظمة الصحة العالمية أيضاً إلى أن الوحدة أعلى في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث يمكن للصعوبات المادية وضعف أنظمة الدعم أن تعمق العزلة. وحتى عندما يكون الشباب محاطين بزملاء الدراسة أو العمل أو المتابعين، فقد يظلوا يشعرون بأنهم يحملون مخاوفهم بمفردهم.

ويؤكد الباحثون أيضاً على أنه لا ينبغي تجاهل الوحدة في مرحلة الشباب باعتبارها مجرد مرحلة عابرة. فبعض النتائج تشير إلى أنها يمكن أن تستمر بمرور الوقت. وأفادت إحدى الدراسات الطولية لعام 2025 بأن المراهقين الذين شعروا بالوحدة كانوا أكثر عرضة للشعور بالوحدة مرة أخرى في بداية مرحلة الرشد. وهذا أمر مهم لأن الوحدة المتكررة ليست مجرد شعور مزعج، بل يمكن أن تؤثر على الثقة بالنفس، والعلاقات، والصحة النفسية في المستقبل البعيد.

ومع ذلك، فإن الأدلة لا تشير فقط إلى الأضرار، بل تشير أيضاً إلى ما يمكن أن يساعد. تؤكد أحدث أعمال منظمة الصحة العالمية أن التواصل الاجتماعي القوي يحسن الصحة وطول العمر. وبالمثل، يسلط "تقرير السعادة العالمي" الضوء على دور العلاقات القائمة على الرعاية والثقة والدعم الموثوق في حماية الرفاهية. من الناحية العملية، يعني هذا أن الحل لا يكمن ببساطة في إخبار الشباب بـ "الخروج أكثر" أو "ترك هواتفهم". بل قد يتطلب الرد الأقوى توفير مدارس أكثر أماناً، والحد من وصمة العار المحيطة بالوحدة، وتحسين دعم الصحة النفسية، وتعزيز العادات الرقمية الصحية، وتوفير المزيد من الفرص للانتماء الحقيقي في الأسر، والحرم الجامعي، وأماكن العمل، والمجتمعات.

إن الفكرة القائلة بأن الشباب يمتلكون كل ما يحتاجون إليه بسبب قدرتهم اللامحدودة على الاتصال، قد تكون واحدة من أكبر المفاهيم الخاطئة في عصرنا. فالارتباط ليس كالاتصال. والظهور ليس كأن تكون مفهوماً. كما أن شريط الإشعارات الممتلئ لا يغني عن وجود شخص تتصل به عندما تنهار حياتك.

ولهذا السبب تُعد هذه أزمة صامتة. فهي تختبئ خلف الجداول المزدحمة، والشاشات الساطعة، والصور الشخصية المبتسمة. لكن البيانات تشير الآن إلى أنها حقيقية وواسعة النطاق ومتزايدة. وإذا كان العلماء على حق، فإن شعور الشباب بالوحدة ليس مجرد مشكلة عاطفية ثانوية على هامش الحياة الحديثة، بل إنه أصبح أحد المشاكل الاجتماعية المُحدِّدة لملامح هذا الجيل.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Health