أزمة المياه الأشد تدميراً في العالم غير مرئية على الإطلاق

٢٧ مارس ٢٠٢٦

أزمة المياه الأشد تدميراً في العالم غير مرئية على الإطلاق

عندما يتخيل الناس ندرة المياه العالمية، فإن الصورة التي تتبادر إلى أذهانهم غالباً هي قاع بحيرة متصدع وجاف بفعل أشعة الشمس، أو نهر متقلص يتدفق عبر أراضٍ قاحلة. والافتراض السائد هو أن أزمة المياه التي نعيشها هي ظاهرة سطحية مدفوعة بالكامل بتغير أنماط الطقس والنقص الحاد في الأمطار. ومع ذلك، فإن هذا الجفاف المرئي يخفي وراءه واقعاً أكثر عمقاً وخطورة. فأشد أزمات المياه في عصرنا غير مرئية على الإطلاق، وتحدث على عمق مئات الأقدام تحت سطح الأرض. إذ تتعرض المياه الجوفية، وهي الخزان الجوفي القديم الذي يدعم الزراعة العالمية بصمت ويوفر مياه الشرب لمليارات البشر، للاستنزاف حتى النضوب. فنحن نستنزف احتياطيات كوكبنا الخفية بوتيرة لا يمكن للطبيعة مجاراتها، ونتعامل مع إرث جيولوجي محدود وكأنه مورد متجدد لا ينضب.

وقد تجلى الحجم الهائل لهذا الاستنزاف غير المرئي بوضوح من خلال تجربة استعادة الجاذبية والمناخ (غريس) التابعة لوكالة ناسا. ففي الفترة من 2003 إلى 2013، قام قمران صناعيان توأمان برسم خرائط لجاذبية الأرض، وكشفا أن 21 من أصل 37 من أكبر طبقات المياه الجوفية في العالم قد تجاوزت نقاط التحول الخاصة باستدامتها. وأظهرت البيانات أن كميات المياه التي تُضخ من هذه الأحواض الجوفية تفوق بكثير ما يتم تعويضه طبيعياً عن طريق الأمطار وذوبان الثلوج. وفي حوض الهند-الغانج، الذي يمتد عبر شمال غرب الهند وشرق باكستان، بلغ استنزاف المياه الجوفية حداً من الشدة بحيث يمكن رصد الفقدان الهائل لكتلة المياه الجوفية حرفياً من الفضاء. وبالمثل، شهدت طبقة السهول الكبرى الجوفية في الولايات المتحدة، وهي عبارة عن بحر جوفي ضخم يجعل الزراعة التجارية ممكنة في جميع أنحاء الغرب الأوسط الأمريكي، انخفاضاً في مستويات المياه بأكثر من مائة قدم في بعض المناطق منذ بدء الري على نطاق واسع. ولا تعد هذه المشكلات قضايا محلية معزولة، بل هي أعراض لتراجع عالمي متزامن يهدد أساس الإمدادات الغذائية في العالم.

ولفهم سبب حدوث هذا الاستنزاف الكارثي، يجب النظر إلى آليات الزراعة الحديثة والهياكل الاقتصادية التي تدعمها. لقد جلب منتصف القرن العشرين ابتكارات زراعية أنقذت الملايين من المجاعة، لكن هذه الزيادة الهائلة في إنتاجية المحاصيل اعتمدت بشكل كبير على ضخ المياه الجوفية دون قياس أو رقابة. واليوم، يمثل الري الزراعي نحو 70% من إجمالي عمليات سحب المياه العذبة على مستوى العالم. وفي المناطق شبه القاحلة، يُضطر المزارعون بانتظام إلى ضخ "المياه الأحفورية" — وهي مياه محتجزة في طبقات المياه الجوفية العميقة لعشرات الآلاف من السنين — لزراعة محاصيل شرهة وتستهلك كميات كبيرة من المياه مثل الأرز والقطن والبرسيم. وتترسخ هذه الديناميكية بعمق من خلال السياسات الاقتصادية الإقليمية. ففي مناطق زراعية رئيسية مختلفة، من أجزاء في جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط، تدعم الحكومات المحلية الكهرباء المخصصة لمضخات المياه بشكل كبير، أو حتى توفرها مجاناً. وفي غياب العوامل المالية التي تثبط هذا الاستهلاك، لا يجد المزارعون مبرراً كافياً لمراقبة استخراجهم للمياه أو تقليله. وهكذا، فإن الهيكل الاقتصادي للزراعة العالمية يكافئ فعلياً الاستنزاف السريع لطبقات المياه الجوفية، حيث يتعامل مع المياه كعنصر مجاني وليس كأصل ثمين قابل للنضوب.

وتمتد عواقب هذا الضخ المستمر إلى ما هو أبعد من مجرد التهديد بالعطش في المستقبل، لتتجلى في تحولات فيزيائية فورية ومدمرة لسطح الأرض. فمع شفط المياه من الفراغات الموجودة بين الصخور والرواسب الجوفية، تنهار الأراضي التي تعلوها فعلياً. وتتسبب هذه الظاهرة، المعروفة باسم الهبوط الأرضي، في غرق العاصمة الإندونيسية جاكرتا في البحر بسرعة كبيرة لدرجة أن الحكومة تقوم حالياً بنقل مركزها الإداري بالكامل إلى جزيرة أخرى. وفي الوادي الأوسط بولاية كاليفورنيا، هبطت بعض المناطق الزراعية بما يقرب من 30 قدماً خلال القرن الماضي، مما أدى إلى تدمير السعة التخزينية لطبقات المياه الجوفية الأصلية بشكل دائم، وتسبب في أضرار جسيمة ومكلفة للطرق السطحية والقنوات والجسور. وإلى جانب هبوط الأرض، تتدهور جودة المياه المتبقية بشدة مع تقلص الإمدادات. وتواجه المناطق الساحلية على مستوى العالم ظاهرة تداخل المياه المالحة، حيث يقتحم المحيط الفراغ الجوفي الذي خلفته المياه العذبة المستنزفة، مما يؤدي إلى تسمم التربة وجعلها غير صالحة للزراعة إلى الأبد. وبالنسبة لصغار المزارعين الذين تجف آبارهم الضحلة، فإن الأزمة تمسهم شخصياً وبشكل قاسٍ. ونظراً لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف معدات الحفر العميق التي تستخدمها الشركات الزراعية الكبرى، تضطر العائلات في كثير من الأحيان إلى التخلي عن أراضيها، مما يؤدي إلى موجة صامتة من الهجرة المناخية التي تزعزع استقرار الاقتصادات الريفية وتسرع من الاكتظاظ الحضري.

ويتطلب وقف هذه الأزمة الخفية تحولاً عالمياً عاجلاً من الاستخراج إلى الإدارة النشطة. وتدرك التدخلات الأكثر فعالية أن طبقات المياه الجوفية المستنزفة يمكن معالجتها عمداً إذا تم وضع السياسات الصحيحة. ويؤيد علماء المياه بشكل متزايد استراتيجية تُعرف باسم "الشحن المدار لطبقات المياه الجوفية"، وهي عملية يتم فيها التقاط مياه الفيضانات الموسمية وتوجيهها إلى أحواض تسريب مخصصة، مما يسمح للمياه بالتسرب ببطء لأسفل وإعادة ملء الخزانات الجوفية. وفي أماكن مثل وادي باجارو في كاليفورنيا، نجحت التعاونيات الزراعية المحلية في تطبيق نظام تسعير المياه الجوفية بناءً على العدادات جنباً إلى جنب مع مشاريع إعادة الشحن النشطة، مما أدى إلى استقرار مستويات المياه الإقليمية دون تدمير الاقتصاد الزراعي المحلي. وعلاوة على ذلك، يجب أن تحفز السياسات الزراعية بقوة مسألة التحول في زراعة المحاصيل. فزراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في البيئات القاحلة تعد رفاهية غير مستدامة لم يعد العالم قادراً على تحمل تكلفتها. ويمكن للحكومات توفير الدعم المالي وشبكات الأمان للمزارعين الذين يتحولون إلى زراعة محاصيل مقاومة للجفاف تزدهر بفضل الأمطار الطبيعية بدلاً من ري الآبار العميقة. كما أن إزالة الدعم الشامل لضخ المياه الزراعية واستبداله بالقياس الذكي يضمن أن يكون استخدام المياه الجوفية شفافاً، ومحسوباً بدقة، ومسعراً ليعكس ندرتها الحقيقية.

إن المياه المخبأة تحت أقدامنا هي شبكة الأمان المطلقة للحضارة البشرية، حيث تعمل كحاجز صامت ضد الظواهر المتطرفة التي لا يمكن التنبؤ بها في ظل ارتفاع حرارة المناخ. ولأجيال عديدة، عمل المجتمع الحديث تحت وهم خطير يتمثل في أن غياب الشيء عن الأنظار يعني أنه متوفر بإمدادات لا حصر لها. ومحو هذا المفهوم الخاطئ هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو تجنب كارثة إنسانية عالمية. فإذا واصلنا إفلاس طبقات المياه الجوفية لدينا، فلن يتمكن أي قدر من التكنولوجيا الزراعية المتقدمة من استخراج الحياة من صخرة جافة. يجب أن نبدأ في التعامل مع المياه الجوفية بنفس القدر من الاحترام والإدارة الصارمة والتشريعات الوقائية التي نطبقها على أهم احتياطياتنا الوطنية الاستراتيجية. فلم يعد الحفاظ على الأساس الخفي لعالمنا مجرد مثال بيئي؛ بل أصبح ضرورة حتمية لبقائنا. ومن خلال إعادة صياغة كيفية تقييمنا وتسعيرنا وتجديدنا لهذا المورد الخفي، يمكننا ضمان ألا تجف آبار المستقبل أبداً.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: World