الندوب البيئية للنزاعات المسلحة تطيل أمد المعاناة الإنسانية طويلاً بعد توقيع معاهدات السلام

٢٧ مارس ٢٠٢٦

الندوب البيئية للنزاعات المسلحة تطيل أمد المعاناة الإنسانية طويلاً بعد توقيع معاهدات السلام

عندما يتخيل الناس الخسائر المدمرة للحرب، تتبادر إلى أذهانهم فوراً صور المباني المدمرة، والعائلات النازحة الفارة عبر الحدود، والإحصائيات المأساوية للضحايا من العسكريين والمدنيين. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة أن توقف الأعمال العدائية يضع حداً للموت. فنحن نفترض أنه بمجرد توقيع معاهدة سلام وصمت المدافع، يمكن لأي دولة ببساطة أن تبدأ العملية الشاقة لإعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية. ومع ذلك، تتجاهل هذه النظرة التقليدية ضحية أكثر خفاءً واستمراراً للنزاعات البشرية. فالبيئة الطبيعية هي دائماً الضحية الأكثر تجاهلاً في الحروب، حيث تعاني من دمار منهجي يسمم المجتمعات ويمنع التعافي لأجيال عديدة.

إن هذا الدمار البيئي ليس مجرد نتيجة ثانوية عرضية للقتال، بل هو واقع متجذر بعمق في الاستراتيجية العسكرية الحديثة، والذي يغير بشكل جذري من قابلية أي منطقة للعيش. فبعد فترة طويلة من زوال الخطوط الأمامية وتسوية الخلافات السياسية، يستمر الإرث السام للنزاع المسلح في شن حرب صامتة ضد الشعوب ذاتها التي صُممت اتفاقيات السلام لحمايتها.

ويُظهر كم هائل من الأدلة أن التدمير البيئي في زمن الحرب له تأثيرات عميقة يمكن قياسها. فقد وثقت التقييمات التي أجراها برنامج الأمم المتحدة للبيئة مراراً وتكراراً كيف تخلف الذخائر والتكتيكات القتالية الحديثة أراضي ومجاري مائية ملوثة بشدة. وفي التداعيات المستمرة للنزاعات في الشرق الأوسط، كما هو الحال في العراق، وجد الباحثون أن الحرق المتعمد لآبار النفط وتدمير المنشآت الصناعية قد غطى مناطق زراعية شاسعة بالمعادن الثقيلة والسخام المسرطن. وبالمثل، لاحظ المحللون الزراعيون الذين يقيمون النزاع في أوكرانيا أن ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة سابقاً أصبحت الآن مشبعة بالرصاص واليورانيوم المنضب والمواد الكيميائية الدافعة من قذائف المدفعية. كما تؤكد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن البصمة البيئية للعمليات العسكرية العالمية تمثل جزءاً هائلاً وغير متتبع غالباً من التدهور البيئي العالمي، مما يرسخ الحروب كمحرك رئيسي للانهيار البيئي.

ولا يقتصر هذا التلوث على التربة، حيث تتعرض الشبكات الأساسية التي توفر المياه النظيفة للضرر بشكل متكرر خلال فترات القتال المطولة. وقد سلطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الضوء باستمرار على كيف يتحول الحصول على المياه النظيفة إلى سلاح. في اليمن، دمرت سنوات من القصف المستمر مرافق معالجة المياه وشبكات الري الإقليمية، مما أدى بشكل مباشر إلى تسريع انتشار وباء الكوليرا الحاد وترك الملايين بدون مياه شرب آمنة. وهذه ليست مآسي معزولة، بل هي نتائج متوقعة لنمط منهجي يُنظر فيه إلى الموارد الطبيعية اللازمة لاستمرار الحياة البشرية كأضرار جانبية، أو أسوأ من ذلك، كأهداف استراتيجية.

تكمن الجذور الأساسية لهذا الدمار البيئي الواسع النطاق في الطبيعة المتغيرة للاستراتيجية العسكرية والتصنيع المتزايد للحروب. تاريخياً، استُخدمت تكتيكات "الأرض المحروقة" لحرمان الجيوش المتقدمة من الغذاء والمأوى، لكن اليوم، غالباً ما يُستخدم تدمير البنية التحتية البيئية كسلاح استنزاف نفسي ولوجستي. فالمقاتلون يستهدفون بشكل روتيني شبكات الطاقة، ومستودعات الوقود، ومحطات معالجة المياه لشل اقتصاد الخصم وكسر الروح المعنوية للسكان المدنيين. علاوة على ذلك، فإن الحجم الهائل للذخائر شديدة الانفجار المستخدمة في النزاعات المعاصرة يُدخل كميات غير مسبوقة من المواد الكيميائية الاصطناعية إلى النظم البيئية الحساسة. كما أن غياب لوائح دولية صارمة وقابلة للتنفيذ بشأن حماية البيئة في مناطق القتال يسمح للقوات العسكرية بإعطاء الأولوية للمزايا التكتيكية قصيرة المدى على حساب الاستدامة البيئية طويلة المدى، حيث تتعامل مع البيئة الطبيعية كمسرح حرب يمكن الاستغناء عنه بدلاً من كونها نظاماً هشاً يحافظ على الحياة.

وتمتد عواقب هذه الحرب البيئية إلى أبعد من الأضرار المحلية المباشرة، لتمهد الطريق لأزمات صحية عامة دائمة وتجدد عدم الاستقرار الجيوسياسي. فعندما تتسرب المعادن الثقيلة إلى المياه الجوفية وتتغلغل المواد الكيميائية الخطرة في الأراضي الزراعية، يواجه السكان المدنيون موجة ثانوية من الضحايا تتسم بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان وأمراض الجهاز التنفسي والتشوهات الخلقية. وبعد عقود من انتهاء حرب فيتنام، لا يزال الاستخدام الواسع لمبيدات الأعشاب الكيميائية العسكرية يتسبب في عيوب خلقية حادة ويبقي على مناطق ميتة بيئياً، مما يجسد الندوب الدائمة للحروب الكيميائية. وبعيداً عن الصحة العامة، يعمل التدهور البيئي كعامل مضاعف للتهديدات. فمع تحول الأراضي الصالحة للزراعة إلى أراضٍ سامة وجفاف مصادر المياه، تُجبر المجتمعات على هجرات يائسة، مما يثير توترات جديدة حول الموارد المتناقصة. وهذا يخلق حلقة مفرغة مأساوية حيث يؤدي الدمار البيئي الناجم عن صراع ما مباشرة إلى زرع بذور ندرة الموارد التي تقود حتماً إلى الصراع التالي.

وتتطلب معالجة هذه الأزمة الصامتة تحولاً جذرياً في كيفية إدارة المجتمع الدولي للنزاعات المسلحة ونهجه في التعافي بعد الحرب. فقد تزايدت دعوات علماء القانون والمدافعين عن البيئة للاعتراف الرسمي بـ "الإبادة البيئية" كجريمة دولية، وهي مبادرة من شأنها محاسبة القادة العسكريين والسياسيين على الأضرار واسعة النطاق والشديدة وطويلة الأجل التي تلحق بالبيئة. بالإضافة إلى ذلك، يجب تعزيز الأطر الحالية، مثل بنود حماية البيئة ضمن اتفاقيات جنيف، وتطبيقها بصرامة بدلاً من التعامل معها كمبادئ توجيهية اختيارية. وعلى المستوى العملي، يجب أن تعطي جهود بناء السلام وإعادة الإعمار الأولوية للإصلاح البيئي جنباً إلى جنب مع إعادة بناء الطرق والمستشفيات. كما يجب على منظمات التنمية الدولية، مثل البنك الدولي، إلى جانب بعثات حفظ السلام العالمية، أن تفرض دمج عمليات تطهير التربة، وتنقية المياه، والتخلص الآمن من المخلفات العسكرية السامة بشكل كامل في تمويلات التعافي ما بعد النزاع.

وفي النهاية، لم يعد بإمكان المجتمع الدولي أن ينظر إلى الحفاظ على البيئة كرفاهية تقتصر على أوقات السلم. فالأدلة تُظهر بشكل قاطع أن صحة بيئة أي دولة مرتبطة بشكل جوهري ببقاء واستقرار شعبها. وإعادة بناء مدينة مدمرة لا تعني الكثير إذا كانت المياه التي تتدفق عبر أنابيبها سامة والتربة المحيطة بها لا يمكنها إنتاج محاصيل آمنة. إن الاعتراف بالبيئة كضحية رئيسية للحرب يجبرنا على مواجهة التكلفة الحقيقية والمروعة للنزاعات المسلحة. فالسلام الحقيقي ليس مجرد غياب إطلاق النار، بل هو استعادة عالم يمكن للمجتمعات فيه أن تزرع جذورها بأمان وتزدهر. وما لم يتم التعامل مع الندوب البيئية للحروب بنفس مستوى الاستعجال الذي تُعامل به الندوب السياسية، فإن الخسائر المدمرة للنزاعات ستستمر بهدوء في حصد أرواح أجيال لم تولد بعد.

Publication

The World Dispatch

Source: Editorial Desk

Category: Conflict & War