لماذا لن يضع التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء نهاية لحروب الموارد الجيوسياسية
٢٧ مارس ٢٠٢٦

يعتقد الكثيرون أن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة سيمهد الطريق أخيرًا لعصر من السلام الجيوسياسي، ليضع نهاية فعلية لحروب الموارد التي شكلت ملامح القرن العشرين. وتشير الرواية السائدة إلى أنه نظرًا لتوفر الرياح وأشعة الشمس في كل مكان، فإن النزاعات الإقليمية الشرسة حول حقول النفط وخطوط أنابيب الغاز ستصبح قريبًا في طي النسيان. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية المتفائلة تسيء فهم الواقع المادي للتكنولوجيا الخضراء بشكل جذري. فبدلاً من القضاء على التسليح الجيوسياسي للطاقة، فإن هذا التحول ينقل ساحة المعركة ببساطة من الوقود الأحفوري إلى النطاق الدقيق للمعادن الحيوية. إننا نستبدل اعتمادنا على النفط القابع تحت الرمال، باعتماد يائس على العناصر الأرضية النادرة المتناثرة داخل الصخور.
إن الحجم الهائل للطلب على هذه الموارد الجديدة مذهل حقًا. فوفقًا لبيانات شاملة نشرتها وكالة الطاقة الدولية، تتطلب السيارة الكهربائية النموذجية ستة أضعاف المدخلات المعدنية التي تحتاجها السيارة التقليدية التي تعمل بالبنزين، في حين تتطلب محطة طاقة الرياح البرية موارد معدنية تزيد بتسعة أضعاف عما تتطلبه محطة توليد الكهرباء التقليدية التي تعمل بالغاز. وفي ظل تسابق الدول لتحقيق أهداف مناخية طموحة، من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة بشكل هائل خلال العقدين المقبلين. ولكن على عكس النفط، الذي يتوزع عبر مناطق إنتاج رئيسية تمتد من الشرق الأوسط إلى الأمريكتين، فإن سلاسل التوريد لهذه المعادن الحيوية تتركز بشكل ملحوظ في أماكن محددة. وتظهر الأبحاث الصادرة عن مراقبي التجارة العالمية أنه في حين يتم استخراج هذه المعادن في دول مختلفة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية (للكوبالت) أو تشيلي (لليثيوم)، فإن القدرة على المعالجة والتكرير تحتكرها الصين بشكل كاسح. ففي السنوات الأخيرة، سيطرت بكين على أكثر من ثمانين بالمائة من القدرة العالمية لتكرير المعادن المستخدمة في البطاريات لعدة عناصر حيوية، مما يمنح دولة واحدة قبضة خانقة غير مسبوقة على مستقبل البنية التحتية للطاقة العالمية.
لم يحدث هذا التركز الهائل للسلطة بالصدفة، ولا هو مجرد ضربة حظ جغرافية. فعلى مدى ثلاثة عقود، وبينما كانت الدول الغربية تنقل صناعاتها الثقيلة إلى الخارج وتعطي الأولوية للاقتصادات القائمة على الخدمات، نفذت بكين استراتيجية حكومية مدروسة ومدعومة بشدة للسيطرة على الطبقات الوسطى من سلسلة التوريد العالمية. فقد سعت بقوة لتأمين حقوق التعدين في جميع أنحاء إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وبنت مراكز تكرير محلية ضخمة تعمل بوفورات حجم لا يمكن لأي دولة أخرى مجاراتها في الوقت الحالي. وعلاوة على ذلك، فإن التكاليف البيئية والاجتماعية لتكرير العناصر الأرضية النادرة، والتي تنطوي غالبًا على عمليات كيميائية شديدة السمية، جعلت هذه الصناعة غير جذابة للدول الديمقراطية الغربية المقيدة بلوائح بيئية صارمة وتكاليف عمالة مرتفعة. والنتيجة هي بيئة تجارية غير متكافئة إلى حد كبير، حيث ترتبط طموحات أوروبا وأمريكا الشمالية في مجال الطاقة النظيفة بشكل أساسي بالنوايا الاستراتيجية الحسنة لمنافس جيوسياسي.
بدأت عواقب هذه الهشاشة تتحول بالفعل من تحذيرات نظرية إلى اضطرابات اقتصادية ملموسة. وتتضح هشاشة نظام الطاقة الجديد هذا بشكل مؤلم عندما تتدهور العلاقات الدبلوماسية. وقد ظهر مثال صارخ على هذه الديناميكية في أواخر عام 2023، عندما أعلنت الصين عن ضوابط صارمة على تصدير الغاليوم والجرمانيوم، وهما عنصران غير معروفين نسبيًا ولكنهما حيويان لتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، والألواح الشمسية، وتقنيات الدفاع. أحدثت هذه المناورة موجات صدمة في مراكز التصنيع العالمية، مما أجبر شركات التكنولوجيا على التهافت للبحث عن إمدادات بديلة وتسبب في ارتفاعات مفاجئة في الأسعار. إن التداعيات الجيوسياسية لذلك عميقة ومقلقة للغاية. فكما أدى الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية عام 1973 إلى شلل الاقتصادات الغربية وفرض إملاءات على السياسة الخارجية، فإن التهديد الذي يلوح في الأفق بحظر تصدير المعادن الحيوية يمنح الدول المهيمنة على الموارد نفوذًا استثنائيًا. وإذا اندلعت أزمة دبلوماسية كبرى حول مناطق متنازع عليها في المحيطين الهندي والهادئ، فإن القدرة على خنق إمدادات المكونات الأساسية فوريًا - بدءًا من شبكات الكهرباء وصولاً إلى أنظمة الأسلحة المتقدمة - يمكن أن تجبر الأطراف الأخرى على تقديم تنازلات دون إطلاق رصاصة واحدة. وتمتد هذه الهشاشة إلى ما هو أبعد من مجرد التضخم الاقتصادي؛ فهي تمثل خطرًا أساسيًا على الأمن القومي حيث يمكن أن تقع بنية الدفاع الحديثة والبنية التحتية المدنية بأكملها رهينة في يد الآخرين.
إن الإفلات من هذا الفخ الاستراتيجي يتطلب استجابة منسقة وعاجلة من الدول التي تعتمد على سلاسل التوريد المحتكرة هذه. ويجب على الحكومات الغربية وحلفائها الابتعاد عن نهج السوق الحرة البحت في التعامل مع المعادن الحيوية، والتعامل معها كأصول أساسية للأمن القومي. وهذا يعني تقديم دعم مالي كبير لتطوير قدرات الاستخراج والتكرير المحلية، حتى لو كانت التكاليف المالية والبيئية الأولية باهظة. وعلاوة على ذلك، يجب تشكيل تحالفات دولية لإنشاء سلاسل توريد آمنة ومتحالفة، وهي استراتيجية تُعرف غالبًا باسم "دعم الأصدقاء". ومن خلال تجميع الاستثمارات، يمكن لدول مثل الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بناء مراكز تكرير بديلة في دول حليفة ومستقرة سياسيًا. ويلعب الابتكار التكنولوجي أيضًا دورًا حاسمًا؛ إذ يجب على الحكومات تمويل الأبحاث بقوة للتوصل إلى تركيبات كيميائية بديلة للبطاريات لا تعتمد على المعادن الأكثر عرضة للاحتكار، إلى جانب توسيع نطاق برامج إعادة التدوير المتطورة لاستعادة المعادن الحيوية من الأجهزة الإلكترونية المهملة. لا يكمن الهدف في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو أمر مستحيل من الناحية الجيولوجية، بل في تأسيس تنوع كافٍ في الإمدادات لردع أي دولة من استخدام الصادرات كسلاح.
لا شك أن التحول نحو الطاقة النظيفة يمثل ضرورة بيئية لا يمكن إنكارها، ولكن يجب إدارته بواقعية جيوسياسية ثاقبة. فافتراض أن الألواح الشمسية وتوربينات الرياح ستعزز الانسجام العالمي تلقائيًا هو وهم خطير يترك المجتمعات عرضة لأشكال جديدة من الإكراه الاقتصادي. إن صراعات الموارد في القرن الحادي والعشرين لن تُخاض من أجل الوصول إلى الخليج العربي، بل للسيطرة على سلاسل التوريد المعقدة والخفية لليثيوم والكوبالت والمعادن الأرضية النادرة. وإذا فشلت الدول الديمقراطية في تأمين هذه الركائز الأساسية، فإنها تخاطر ببناء مستقبل أكثر خضرة يعتمد كليًا على الرحمة الاستراتيجية للقوى الاستبدادية. إن الاستقلال الحقيقي في مجال الطاقة يتطلب ما هو أكثر من مجرد تسخير الرياح والشمس؛ فهو يتطلب بُعد النظر للسيطرة على الأرض التي يُبنى منها المستقبل.